البيت الأبيض… تلك القبة المصونة

بقلم: عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب

ليس البيت الأبيض مجرد مبنى تتعاقب على أروقته الإدارات، ولا عنوانا لمؤسسة سياسية كسائر المؤسسات، بل أصبح، في المخيال السياسي للعالم، القبة المصونة التي تشد إليها الرحال، وتنعقد عند أبوابها الآمال، وترتجف أمام هيبتها عواصم، وتنتظر إشاراتها حكومات، وكأن مفاتيح السياسة الدولية قد علقت على أبوابها. إلى تلك القبة يتوافد الرؤساء والملوك والأمراء، لا يحملون معهم حقائب الملفات فحسب، بل يحملون أيضا هواجسهم وحساباتهم الدقيقة، يزنون كلماتهم بميزان الذهب، ويحسبون لكل ابتسامة معناها، ولكل مصافحة دلالتها، ولكل عبارة ما قد تتركه من أثر في ميزان الرضا أو الغضب. فهناك، لا مكان للعفوية، ولا مجال لزلة لسان قد تتحول إلى أزمة دبلوماسية تتردد أصداؤها في أنحاء العالم.

ومن تلك القبة تصدر قرارات تغير خرائط، وترسم تحالفات، وتفك أخرى، وتفتح أبواب سلام حين تقتضي المصالح ذلك، أو تشعل بؤر توتر حين تتغير الحسابات. وكم من دولة ارتفعت مكانتها لأنها حظيت برضا القبة، وكم من أخرى وجدت نفسها في مهب العقوبات والضغوط لأنها خرجت عن المدار المرسوم لها. وهكذا ترسخ في أذهان كثيرين أن القبة هي الآمرة والناهية، وأن صوتها يعلو فوق أصوات كثيرة، وأن قراراتها لا تقف عند حدودها الجغرافية، بل تعبر المحيطات لتلقي بظلالها على الاقتصاد والسياسة والأمن في مختلف بقاع الأرض.

وإذا كان الشرفاء في بعض البلدان تشدهم الجذبة إلى المزارات، وتغمرهم الروحانية عند رايات خضراء وحمراء، فإن شرفاء القبة المصونة لهم جذبة من نوع آخر، لا تحركها الروح، بل تحركها رائحة البترول. رائحة قادرة، في المخيلة الساخرة، على أن تشق طريقها عبر الصحارى والبحار والمحيطات، لتصل إلى أنوف لا تخطئ مواقع الثروة ولا تضيع إشارات المصالح. وعندما تستيقظ تلك الجذبة، تصبح الخرائط مجرد تفاصيل، وتغدو المسافات أرقاما بلا قيمة، وتتحول البحار إلى ممرات، والسماء إلى طريق، وتصبح الجيوش والأساطيل والطائرات رسلا للمصالح الكبرى، تتحرك حيث تتحرك منابع الطاقة، وتقف حيث تقتضي الحسابات، وتنسحب حين يتبدل ميزان الربح والخسارة.

إنها قبة صنعت لنفسها مكانة استثنائية في النظام الدولي، حتى غدت، في نظر كثيرين، أشبه بقبلة السياسة العالمية؛ من قصدها التمس الرضا، ومن خاصمها استعد للعواصف، ومن تجاهلها وجد نفسه خارج دائرة التأثير. هكذا يتشكل عالم اليوم؛ عالم لا تحركه الشعارات وحدها، ولا المبادئ المجردة، بل تقوده موازين القوة، وتعيد رسمه المصالح، وتبقى القبة المصونة، في نظر أنصارها وخصومها على السواء، رمزا لمرحلة ما زالت تكتب فصولها كل يوم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *