الجنازة التي تمشي خلفها الأسطورة؟

بقلم زكية لعروسي, با ريس

ليست كل جنازة مجرد وداع لإنسان غادر الحياة، فثمة جنازات تتحول إلى مسرح كوني، يختلط فيه التاريخ بالعقيدة، والسياسة بالوجدان، والدموع بالشعارات، حتى يبدو المشهد وكأن الأرض نفسها خرجت لتشيع فكرة أكثر مما تشيع رجلا. في الشرق، لا تموت الشخصيات الكبرى بسهولة. إنها تغادر الجسد، لكنها تظل تسكن الذاكرة، وتلبس ثياب الأسطورة، حتى يصبح التابوت أصغر من أن يحمل كل ذلك الإرث، وتصبح الشوارع أضيق من أن تستوعب أمواجا بشرية جاءت تحمل الحداد، وربما تحمل معها أيضا أسئلتها المؤجلة.

في التجربة الشيعية، يحتل مفهوم الشهادة مكانة مركزية في الوجدان الجمعي، منذ واقعة كربلاء التي تحولت من حدث تاريخي إلى ذاكرة حية تعبر القرون، وتتجدد في الطقوس والرموز والخطاب الديني. وهنا يطرح السؤال نفسه: أين تنتهي القداسة الدينية، وأين تبدأ صناعة الرمزية السياسية؟ وهل تشيع الجماهير الإنسان، أم تشيع الصورة التي رسمت له عبر عقود؟ وهل البكاء على الزعيم بكاء على شخص، أم على مرحلة، أم على سلطة، أم على خوف من مستقبل مجهول؟

إن الجماهير، عندما تتحول إلى بحر بلا ضفاف، تصبح الأرقام عاجزة عن وصفها. ملايين الأقدام لا تمشي فقط فوق الإسفلت، بل فوق التاريخ أيضا، وكأن المدن تتحول إلى أنهار بشرية، والنعش إلى سفينة نوح جديدة، يركبها المؤمنون بالرمز، كل حسب تأويله. غير أن السؤال الأكثر إرباكا يظل معلقا في الهواء: لماذا تتحول بعض الشخصيات في الشرق إلى كائنات فوق النقد؟ ولماذا يصبح الاقتراب من سيرتها أشبه بالاقتراب من نار مقدسة؟ أليس كل إنسان، مهما علت مكانته، ابنا للتاريخ، يصيب ويخطئ، ويبني ويهدم؟

لقد علمنا التاريخ أن الأمم التي تقدس الأشخاص أكثر مما تقدس المبادئ، كثيرا ما تستيقظ لتجد أنها كانت تسير خلف الظل، بينما كانت الشمس في مكان آخر. في السياسة، لا توجد قداسة دائمة، لأن المصالح لا تؤمن بالخلود. أما الشعوب، فإنها كثيرا ما تصنع أصنامها بيديها، ثم تنفق عقودا وهي تحاول تحطيمها، لتصنع أصناما جديدة. ولعل المفارقة الأكثر غرابة أن التابوت، في بعض الأحيان، يصبح أكثر نفوذا من صاحبه وهو حي. فالميت لا يتكلم، لكن الجميع يتكلم باسمه. لا يقرر، لكن القرارات تنسب إليه. ولا يرى، لكن صوره تظل تراقب الجدران والميادين وكأنها عيون لا تنام.

إن التاريخ لا يكتب بالدموع وحدها، ولا بعدد المشيعين، ولا بطول مواكب العزاء، بل بما يبقى بعد انفضاض الجنازة. فبعد أن تطوى الأعلام، وتخفت مكبرات الصوت، وتعود المدن إلى صخبها، يبقى السؤال الكبير واقفا وسط الطريق: هل كانت الأمة تشيع رجلا… أم كانت تشيع زمنا كاملا؟ وهل تصنع الأمم مستقبلها بالتمسك بالرموز، أم بامتلاك الشجاعة الكافية لمراجعة تاريخها، مهما كانت قداسة ذلك التاريخ في عيون أتباعه؟ تلك هي الأسئلة التي لا تجيب عنها الجنائز، مهما بلغت عظمتها، لأن الحقيقة لا تمشي دائما خلف النعوش، بل كثيرا ما تنتظر في آخر الطريق.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *