التابو المالي: الأرقام وخرافة المساواة

بقلم زكية لعروسي، باريس

في صباح ضبابي من أبريل 2026، وأنا أتجول بين أدراج الجرائدة بدا لي نبأ كأنه مقتطف من رواية لكافكا لم تكتمل بعد: دراسة صادرة عن هيئة مصرفية رسمية تؤكد ما كنا نرفض تصديقه… الرجال لا يزالون، في هذا الربع الأخير من القرن الحادي والعشرين، سادة العالم المالي بلا منازع، متوجين بفارق 10% في الأجور يضاف إلى هيمنتهم العددية الساحقة على غرف القرار. لكن السؤال الأعمق ليس كم يزيد الرجل على المرأة؟ بل: لماذا، بعد عقود من الخطاب المناهض للتمييز، تبقى هذه الأرقام عنيدة، ثابتة، كأنها جزء من الحمض النووي للرأسمالية المعاصرة؟

تأمل معي قارئي لحظة هذا الكائن الأسطوري: “المصرفي”. إنه ليس مجرد موظف، بل كاهن في معبد السيولة، حارس للمقدس الذي صار إسمه “رأس المال”. وكرسي القيادة في هذا المعبد ليس مجرد مقعد… إنه عرش رمزي، موروث عن ثقافة أبوية تمتد جذورها إلى العصور التي كانت فيها التجارة حكراً على الرجال، بينما النساء محصورات في فلك المنزل والإنجاب. ما نراه اليوم هو “التحديث بلا تحرر”: النساء موجودات لكن كـ”استثناءات احتفالية”، يُظهرن كدليل على “انفتاح” المؤسسة، بينما ترسَم القواعد الحقيقية للعبة خلف أبواب موصدة.

لنتأمل الفارق 10% بعيون متفحصة: إنه ليس مجرد خطأ تقني أو تحيز غير واع. بل هو ثمن سوقي تدفعه النساء مقابل جرأتهن على انتهاك النظام الرمزي الذكوري للسلطة. في عالم التمويل، يُقرأ الحزم عند الرجل كقيادة حكيمة، وعند المرأة كعصبية غير أنثوية. يُقرأ العمل الإضافي عند الرجل كتفان، وعند المرأة كإهمال للأسرة. هذه الـ10% هي هامش الأمان الذي يدفعه النظام الذكوري لضمان عدم تكرار الخرق

المفارقة التي تقدمها الوكالة الفرنسية تكمن في عنوانها الاستفهامي: “الفرنسيات أفضل حالا من جاراتهن الأوروبيات؟”. هنا تظهر لعبة الأدوار الدولية: أوروبا الشمالية التي نعتقد أنها “متقدمة” قد تتفاجأ بنتائج تُظهر فرنسا في موقع أقل سوءا. لكن “أقل سوءا” ليس فضيلة في سباق نحو القاع. إنه مثل القول إن غرق سفينة على بعد ميل من الشاطئ أقل مأساة من غرقها في عرض المحيط. النتيجة النهائية واحدة: الموت الرمزي للطموح النسائي داخل القلاع البنكية.

المشكلة الحقيقية ليست في الـ10% التي تُعلن، بل في الـ90% التي لا تعلن: كم عدد النساء اللواتي يُستبعدن قبل أن يصلن حتى إلى عتبة غرفة الاجتماعات؟ كم من فتيات يُثنين عن دراسة التمويل لأن “البيئة صعبة للنساء”؟ كم من مديرات يُمارس ضغطا خفيفا لترك مناصبهن قبل أن تتح لهن فرصة الاحتجاج على الفارق في الأجور؟ هذه هي “بنية الجليد”: ما نراه من تفاوت هو جزء ظاهر، وما لا نراه هو نظام كامل من الاستبعاد التدريجي، يبدأ من الصفوف الأولى في المدرسة الابتدائية،  مرورا بأقسام الاقتصاد في الجامعات، وصولا إلى كواليس الترقيات والتقييمات السنوية.

تعيش أوروبا اليوم على وهم “المساواة المحققة” بينما ترسم هذه الدراسة صورة مختلفة: عالم مالي يشبه تلك القصور الملكية القديمة: أبوابها مفتوحة للجميع كدليل على “الديمقراطية”، لكن غرف عروشها ما زالت محصنة بطقوس ذكورية لا تمنح الصولجان إلا لمن ولدوا بمفاتيحه الوراثية. وتبقى الـ10% كدليل إدانة صامت: ليس لأنها كبيرة جدا، بل لأنها ثابتة جدا، كأنها جزء من القانون الطبيعي للأشياء. وفي هذا الثبات بالذات، يكمن دليل أن المسألة ليست مجرد “تمييز” يمكن حله بقوانين، بل أزمة حضارة بأكملها ما زالت تظن أن المال، ذلك الإله الحديث، لا يحب أن تُلمسه أياد أنثوية. وهنا، ربما، تكمن المفارقة الأكبر: في عصر الذكاء الاصطناعي والمحافظ الرقمية، يظل أعرق نظام للسلطة على وجه الأرض – النظام المالي- عالقا في نفق من العصور الحجرية الرمزية، حيث السقف الزجاجي ليس مجرد عائق، بل مرآة تعكس للنساء: “أنت لست هنا، ولن تكوني”. فهل يأتي يوم تصبح فيه هذه السطور مجرد وثيقة تاريخية عن “أوروبا القديمة”، أم أن النقود ستظل تحتفظ، كأقدم اختراع بشري، بذاكرة ذكورية لا تمحى؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *