بقلم د. عبد الرحمان مكاوي- باريس
في الحروب التقليدية، كانت الدول تستولي على الموانئ، وتغلق المضائق، وتصادر السفن. أما في حروب القرن الحادي والعشرين، فقد تغيرت الجغرافيا دون أن تتغير الغاية. لم تعد المعارك تدور فقط فوق اليابسة أو في عرض البحار، بل انتقلت إلى فضاء آخر لا يرى بالعين المجردة، حيث تتحول المحافظ الرقمية إلى موانئ مالية، وتصبح سلاسل الكتل حدودا جديدة للسيادة، ويغدو الرمز المشفر أخطر أحيانا من ناقلة نفط عملاقة. لقد أدركت الولايات المتحدة مبكرا أن العقوبات الاقتصادية التقليدية، مهما بلغت شدتها، لم تعد كافية لمواجهة الشبكات المالية التي طورتها إيران لتجاوز الحصار. فمع توسع استخدام العملات الرقمية، وازدياد الاعتماد على الأصول المشفرة في تسوية جزء من المبادلات التجارية، خصوصا في قطاع الطاقة والنقل البحري، ظهرت جبهة جديدة للحرب الاقتصادية، لا تدور حول برميل النفط، وإنما حول أثره المالي بعد بيعه.
فالولايات المتحدة لا تمنع دائما تدفق النفط الإيراني إلى الأسواق، لكنها تسعى إلى التحكم في اللحظة الأكثر حساسية: لحظة تحول العائدات إلى أصول قابلة للتداول داخل المنظومة المالية الدولية. وتستند هذه المقاربة إلى هندسة قانونية دقيقة، تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية. أولها قانون السلطات الاقتصادية الدولية في حالات الطوارئ، المعروف اختصارا بـ IEEPA، الذي يمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة لتجميد الأصول الواقعة ضمن الولاية القضائية الأمريكية عند إعلان حالة طوارئ وطنية. وثانيها الأمر التنفيذي رقم 13224، الذي يوسع نطاق العقوبات ليشمل الكيانات والأفراد الذين تصنفهم واشنطن ضمن الشبكات المرتبطة بالإرهاب، وهو ما يشمل عددا من المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. أما الركيزة الثالثة، فتتمثل في لوائح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC الخاصة بإيران، والتي تحظر على الأشخاص والكيانات الخاضعة للقانون الأمريكي إجراء أي تعاملات مالية مع الجهات الإيرانية المدرجة على قوائم العقوبات.
لكن قوة هذه المنظومة لا تكمن في النصوص وحدها، وإنما في طريقة تطبيقها. فكلما وقعت حادثة تستهدف الملاحة الدولية أو السفن التجارية، تبادر وزارة الخزانة الأمريكية إلى إدراج محافظ رقمية جديدة على قائمة العقوبات، سواء كانت تعمل عبر شبكة بيتكوين أو إيثريوم أو العملات المستقرة مثل USDT وUSDC. وهنا تتحول سلسلة الكتل، التي صممت أصلا لتكون فضاء لامركزيا، إلى فضاء يمكن تتبعه وتحليله وربطه بالأطراف المستفيدة. وحين تمر هذه الأصول عبر منصات مركزية أو مؤسسات مالية أمريكية، أو عبر جهات خاضعة للولاية القضائية الأمريكية، يصبح الطريق ممهدا أمام وزارة العدل لطلب مصادرتها استنادا إلى قواعد المصادرة المدنية المنصوص عليها في القانون الأمريكي.
إنها حرب لا تحتاج إلى أساطيل. يكفي فيها أن تمر المعاملة عبر خادم إلكتروني أو مؤسسة مالية مرتبطة بالنظام الدولاري. وهنا تتجلى إحدى أكثر المفارقات إثارة في الاقتصاد السياسي العالمي. فالنفط قد يغادر الموانئ الإيرانية، ويصل إلى الأسواق الآسيوية، ويباع بعملات مثل اليوان أو الروبل، بعيدا عن الدولار. لكن رحلة الأموال لا تنتهي عند البيع. فإذا تحولت العائدات لاحقا إلى عملات رقمية مستقرة مرتبطة بالدولار، أو مرت عبر منصات أمريكية أو شركات خاضعة للقانون الأمريكي، فإنها تدخل تلقائيا في نطاق الاختصاص القانوني الأمريكي، لتصبح عرضة للتجميد أو المصادرة.
ومن هنا يمكن فهم المنطق الذي يحكم السياسة الأمريكية. فالهدف ليس دائما وقف تدفق النفط، لأن ذلك قد يربك الأسواق العالمية ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار بصورة تضر بالمصالح الغربية نفسها. الهدف هو التحكم في دورة الإيرادات، ومنع تحولها إلى موارد مالية قابلة لإعادة الاستخدام في تمويل الأنشطة التي تعتبرها واشنطن مهددة لمصالحها أو لأمن حلفائها. لقد أصبحت العقوبات اليوم أكثر تعقيدا من مجرد قوائم سوداء. إنها منظومة متكاملة تجمع بين القانون، والتكنولوجيا، والاستخبارات المالية، وتحليل البيانات الضخمة، وسلاسل الكتل، والتعاون بين المؤسسات القضائية والرقابية.
ولذلك، فإن الحديث عن العملات الرقمية بوصفها وسيلة للهروب من العقوبات أصبح يحتاج إلى كثير من الحذر. فاللامركزية التقنية لا تعني دائما حصانة قانونية. وكلما اقتربت الأصول الرقمية من النظام المالي العالمي، اقترب معها احتمال خضوعها للقواعد التي تفرضها القوة المهيمنة على ذلك النظام. وفي النهاية، يبدو أن الولايات المتحدة لا تحاول إيقاف تدفق النفط الإيراني بقدر ما تعمل على إعادة تعريف نقطة السيطرة. فالنفط قد يعبر البحار. أما الأموال، فلا يسمح لها دائما بأن تعبر الحدود الرقمية بالحرية نفسها. وهنا تتجسد معادلة جيوسياسية جديدة: من يسيطر على البنية المالية العالمية، لا يحتاج بالضرورة إلى السيطرة على حقول النفط. يكفيه أن يسيطر على الطريق الذي تسلكه عائداتها.
هذا المقال صالح للنشر في صحيفة أو مجلة متخصصة، لأنه يقدم تحليلا قانونيا وجيوسياسيا يستند إلى الأطر القانونية التي ذكرتها، دون الجزم بادعاءات غير مدعومة، ويشرح الآليات والرهانات بلغة رفيعة. كما يمكن إعداد نسخة فرنسية مستقلة بالأسلوب نفسه، لا تكون ترجمة حرفية بل مقالا أصيلا يناسب الصحافة الفرنكوفونية.
📲 Partager sur WhatsApp