الجنرال يد الله جواني: عقل الخطاب السياسي للحرس الثوري الإيراني

بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس

في بنية السلطة الإيرانية، تقاس الأهمية بالرتبة العسكرية. وبالقدرة على صناعة المعنى وتوجيه الرواية. فالجنرال يد الله جواني يمثل نموذجا لشخصية تقع عند تقاطع ثلاثة عوالم: المؤسسة العسكرية، والقرار السياسي، وحرب السرديات التي ترافق الصراعات الحديثة. يعد جواني من الوجوه البارزة داخل الحرس الثوري الإيراني، حيث لعب لسنوات دورا سياسيا وإعلاميا يتجاوز حدود الوظيفة العسكرية التقليدية. فهو ليس قائدا ميدانيا بالمعنى الكلاسيكي، بل أحد مهندسي الخطاب الذي يربط بين العقيدة الثورية، والأمن القومي، وتفسير الأحداث العسكرية أمام الداخل والخارج.

تكمن أهميته الاستراتيجية في كونه حلقة وصل بين رؤية الحرس الثوري وخط القيادة العليا في إيران. ففي الحروب المعاصرة، لا تدار المعارك بالصواريخ والطائرات فقط، بل أيضا بالكلمات والصور والتفسيرات. ومن يملك رواية الحرب يمتلك جزءا من القدرة على إدارة آثارها السياسية والنفسية. في سياق المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، برز خطاب جواني بوصفه جزءا من استراتيجية الردع الإيرانية. فخطاب “الانتقام” و”رفع كلفة الحرب على الخصم” يعكس فلسفة تقوم على استخدام القوة العسكرية والأدوات غير المباشرة لخلق معادلة ردع تمنع الخصم من تحقيق أهدافه بسهولة.

هذه العقيدة لا تنظر إلى الرد العسكري باعتباره مجرد عملية انتقامية، بل باعتباره رسالة استراتيجية. فكل ضربة تحمل هدفين: التأثير على الحسابات العسكرية للخصم، والتأثير على معنويات الجمهور الداخلي الذي يحتاج النظام إلى إقناعه بقدرته على الصمود. في ملف الخلافة والمرحلة الانتقالية، يرتبط اسم جواني بالمؤسسة التي يرى فيها الحرس الثوري ضمانة لاستمرار بنية النظام. فالحرس لم يعد مجرد قوة عسكرية، بل أصبح فاعلا سياسيا واقتصاديا وأمنيا له حضور مؤثر في صناعة القرار.

ومع تصاعد دور المؤسسات العسكرية خلال الأزمات، تصبح شخصيات مثل جواني أكثر حضورا لأنها تقوم بمهمة مزدوجة: تفسير سياسات الدولة وتعبئة القاعدة المؤيدة لها. فهو يقف في المنطقة الرمادية بين المتحدث العسكري والمفكر السياسي، حيث تتحول التصريحات إلى أدوات استراتيجية. لكن أهمية هذه الشخصيات لا تعني أنها تتحكم وحدها في مسار الأحداث. فالقرار الإيراني نتاج شبكة معقدة من المؤسسات ومراكز القوة، والحرس الثوري نفسه يعمل ضمن منظومة سياسية لها توازناتها الداخلية.

يبقى الجنرال يد الله جواني أحد الوجوه التي تكشف طبيعة الحرب الحديثة: حرب لا تدور فقط على خطوط النار، بل أيضا في فضاء الأفكار والرموز والشرعية. فالمعركة في القرن الحادي والعشرين ليست فقط من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك القدرة على تفسير الحرب وصياغة معناها في عيون شعبه والعالم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *