بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
في قلب القارة الإفريقية، حيث تمتد الصحراء كبحر بلا شواطئ، وحيث تحمل الرمال في ذراتها حكايات الإمبراطوريات القديمة وقوافل الذهب والملح، يقف الساحل اليوم كأنه كائن أسطوري جريح. جسده شاسع، وروحه مثقلة، وسماءه تحمل أصواتا لا تعرف هل هي صدى عواصف الطبيعة أم صرخات الإنسان حين يضيق به التاريخ. في مالي والنيجر لا تسقط المدن وحدها، بل تسقط فكرة الأمان نفسها. فالهجوم الذي يقتلع عشرات الجنود من الحياة ليس مجرد رقم في تقرير عسكري، بل شق عميق في جدار دولة تحاول أن تقف فوق أرض تتحرك تحت قدميها. كل جندي يسقط هناك يترك خلفه فراغًا لا تملؤه البيانات الرسمية ولا الخرائط العسكرية، فراغًا يشبه حفرة في ذاكرة وطن يحاول أن يتذكر مستقبله.
الساحل ليس مجرد منطقة جغرافية على أطلس العالم. إنه مسرح كوني تتصارع فوقه أشباح متعددة: الفقر الذي يمد جذوره في الأرض، والفراغ السياسي الذي يفتح الأبواب للمتطرفين، والغضب الاجتماعي الذي يتحول أحيانا إلى وقود في محركات العنف. في هذه الأرض لا تحمل البنادق رصاصًا فقط، بل تحمل معها أسئلة معلقة حول العدالة والهوية والسلطة ومصير الأجيال. الصحراء في هذا المشهد ليست صامتة كما يظن البعض. إنها مخلوق قديم يراقب كل شيء. تحفظ خطوات الجنود في الرمال، وتخفي بين كثبانها أسرار القوافل والكمائن والعهود المنكسرة. كل حبة رمل تبدو كعين صغيرة تراقب قصة إنسانية طويلة، قصة شعوب تبحث عن نافذة ضوء وسط جدار كثيف من الأزمات. الكمين ليس لحظة عسكرية عابرة، بل هو رمز لانهيار التوازن. فحين يصبح الطريق نفسه فخا، والأفق نفسه سؤالا، تدرك الدول أن المعركة لم تعد فقط ضد جماعة مسلحة، بل ضد شبكة معقدة من الظروف التي تنبت العنف كما تنبت الصحراء نباتاتها الشحيحة. فالسلاح قد يطارد المقاتل، لكنه لا يستطيع وحده مطاردة الأسباب التي تصنع المقاتل.

إن أخطر ما يحدث في الساحل ليس عدد الضحايا فقط، بل تحول العنف إلى لغة يومية. فعندما يصبح الموت خبرا متكررا يفقد المجتمع جزءا من قدرته على الصدمة، ويصبح الرعب ضيفا ثقيلا يجلس في البيوت والمدارس والأسواق. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: أن يتحول الاستثناء إلى عادة، وأن يصبح الدم جزءًا من المشهد العام. لكن خلف هذا الليل الطويل توجد حقيقة لا يمكن للرصاص أن يمحوها. فالشعوب التي عاشت قرونا بين الصحراء والنهر تعرف معنى الصبر. هي شعوب بنت حضارات من التراب، وحولت القسوة الطبيعية إلى قدرة على البقاء. وكما تنبت شجرة وحيدة في قلب أرض قاحلة، يمكن للأمل أن يظهر من الأماكن التي يظنها الجميع مستحيلة.
المعركة الحقيقية في الساحل ليست فقط معركة جيوش، بل معركة أفكار. فالمستقبل لا يصنع بالانتصار في كمين، بل ببناء مدارس بدل المعسكرات، وفرص بدل اليأس، وثقة بدل الخوف. لأن الجماعات المتطرفة تزدهر في الفراغ، والفراغ لا يملؤه السلاح وحده بل تملؤه الدولة حين تصبح حاضرة في حياة الناس. سيكتب المؤرخون أرقام المعارك وأسماء القادة، لكن الرمال ستروي قصة أخرى. ستروي عن أناس عاديين دفعوا ثمن صراعات أكبر منهم، وعن أوطان تبحث عن طريق بين عواصف السياسة ونيران التطرف. وربما سيأتي يوم تنظر فيه الصحراء إلى نفسها فلا ترى دخانًا يتصاعد من الأفق، بل ترى قوافل جديدة تعبرها حاملة المعرفة والخبز والأحلام. فالساحل، مهما أثقلته الجراح، ليس أرضًا ولدت للموت. إنه أرض تنتظر لحظة ميلاد جديدة. وفي أعماقه البعيدة تختبئ حقيقة تشبه المعجزة: أن الرمل الذي دفن خطى الحروب قادر أيضًا على أن يحفظ خطوات السلام حين يصل أخيرا.
📲 Partager sur WhatsApp