بقلم زكية لعرروسي, باريس
في خضمّ التحوّلات المتسارعة التي تشهدها جبهات الشرق الأوسط، يبرز مفهوم”الخط الأصفر” الذي أعلنته الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بوصفه تطورا استراتيجيا يتجاوز كونه إجراء ميدانيا مؤقتا، ليُلامس جوهر إعادة تشكيل قواعد الاشتباك وحدود النفوذ. هذا الخط، الذي استنسخ من تجربة قطاع غزة، ليس مجرد ترسيم جغرافي، بل هو إعلان ضمني عن نمط جديد من “السيادة المرنة” التي تفرض بالقوة وتدار بالردع.
وفق الرواية الإسرائيلية، يمثّل “الخط الأصفر” منطقة فاصلة تحدّد نطاق السيطرة العملياتية، وتشكّل في الوقت ذاته “خط دفاع متقدم” ضد ما تعتبره تهديدات آتية من الشمال. لكن القراءة المتأنية تكشف أن هذا الخط أقرب إلى “حدود وظيفية” لا تعترف بها القوانين الدولية، بل تفرض كأمر واقع عبر القوة العسكرية. إنه انتقال من مفهوم الحدود الثابتة إلى “حدود ديناميكية” تتحرك وفق ميزان القوة والتهديد.
في قطاع غزة، أدّى هذا المفهوم إلى تكريس واقع جغرافي جديد تسيطر فيه إسرائيل على أكثر من نصف القطاع، مع تحويل “الخط الأصفر” إلى أداة ضبط أمني تبرّر الضربات الاستباقية. واليوم، يبدو أن النموذج ذاته يعاد إنتاجه في جنوب لبنان، بما يحمله ذلك من دلالات خطيرة على مستقبل السيادة اللبنانية.
تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير بأن هذا الخط يشكّل “خط دفاع وخط هجوم” تعكس تحوّلا عقائديا في التفكير العسكري الإسرائيلي. فبدلا من السعي إلى حسم الصراع، يجري الانتقال إلى “إدارته” عبر أدوات ميدانية تبقيه تحت السيطرة دون إنهائه. هذا النهج يتقاطع مع ما يمكن تسميته بـ”عقيدة المنطقة الرمادية”، حيث تمارس العمليات العسكرية تحت عتبة الحرب الشاملة، لكنها في الوقت ذاته تعيد تشكيل الواقع السياسي والأمني تدريجيا. وبهذا المعنى، يصبح “الخط الأصفر” أداة لإدامة التوتر المنضبط، لا لتفكيكه.
تبرّر إسرائيل تحركاتها بأنها تدخل ضمن إطار “الدفاع عن النفس”، وهو مفهوم معترف به في القانون الدولي. غير أن توسيع هذا المفهوم ليشمل ضربات استباقية داخل أراض ذات سيادة، كما في لبنان، يطرح إشكاليات قانونية عميقة. فهل يمكن اعتبار أي اقتراب من هذا الخط تهديدا مبررا للقتل؟ وأين تنتهي حدود الدفاع وتبدأ ممارسات فرض الأمر الواقع؟ هذا التوسّع في تفسير “الدفاع المشروع” يهدّد بتقويض قواعد الاشتباك التقليدية، ويفتح الباب أمام سابقة قد تستخدم في نزاعات أخرى حول العالم.

لا يمكن فصل هذا التطور عن السياق الأوسع للصراع مع حزب الله، الذي يمثّل أحد أبرز الفاعلين غير الدولتين في المنطقة. فإقامة “خط أصفر” في الجنوب اللبناني تعدّ عمليا محاولة لإعادة رسم خطوط الردع مع الحزب، وفرض معادلة ميدانية جديدة. في المقابل، يبقى السؤال مفتوحا: هل سيقبل حزب الله بهذه القواعد؟ أم أن هذا الخط سيصبح شرارة لتصعيد جديد؟ تاريخ الصراع يشير إلى أن مثل هذه الإجراءات غالبا ما تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تتحوّل خطوط الفصل إلى نقاط اشتعال. الإعلان عن وقف إطلاق النار بوساطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبموافقة كل من جوزيف عون وبنيامين نتنياهو، لا يبدو أنه أنهى الصراع بقدر ما أعاد ترتيبه. فـ”الخط الأصفر” قد يكون في جوهره أداة لترسيخ مكاسب ميدانية خلال فترة الهدوء النسبي.
ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور عسكري عابر، بل إعادة صياغة عميقة لمفهوم الحدود والسيادة في الشرق الأوسط. “الخط الأصفر” يمثّل نموذجا لحروب المستقبل: حروب بلا إعلان رسمي، وحدود بلا اعتراف دولي، وسيطرة تمارس تدريجيا تحت غطاء الضرورة الأمنية. إنه انتقال من الصراع التقليدي إلى صراع “هجين”، حيث تختلط الجغرافيا بالقوة، والقانون بالتأويل، والسيادة بالواقع المفروض. وفي ظل غياب تسويات سياسية حقيقية، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة ترسم فيها الخرائط لا على طاولات المفاوضات، بل على خطوط النار. وفي هذا المشهد المعقّد، يبقى السؤال الأهم: هل “الخط الأصفر” هو بداية احتواء الصراع… أم مقدمة لانفجار أكبر؟
📲 Partager sur WhatsApp