الدرس الألماني في انتخابات مجلس الأمن(الجزء الثاني)

بقلم جورج ميلوسان,محلل سياسي-بوخارست(بتعاون مع فوكوس ميديتيراني)

لم تكن خسارة ألمانيا لمقعدها غير الدائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حدثا بروتوكوليا، بل مؤشرا على تحول أعمق في طبيعة الشرعية الدولية ذاتها. فالنظام الأممي، الذي طالما بدا قابلا للاختزال في توازنات القوة الاقتصادية والسياسية، يكشف مجددا عن منطقه الخاص: منطق شبكات النفوذ الدقيقة، لا منطق الثقل المادي وحده. بالنسبة لبرلين، التي تُعد القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا وفاعلا مركزيا داخل الاتحاد الأوروبي، جاءت النتيجة بمثابة اختبار غير مريح لفكرة راسخة في السياسة الخارجية الألمانية: أن الشرعية الدولية يمكن أن تستمد تلقائيا من الاستقرار الاقتصادي والدور المؤسسي داخل الغرب. غير أن تصويت الجمعية العامة أظهر حدود هذا الافتراض.

ما وراء الاقتصاد: إعادة توزيع غير مرئية للنفوذ

تتجاهل كثير من التحليلات التقليدية أن الانتخابات داخل الأمم المتحدة لا تُحسم في لحظة التصويت، بل عبر مسار طويل من التراكم الدبلوماسي. هنا تحديدا تفوقت النمسا والبرتغال: ليس عبر موارد أكبر، بل عبر استراتيجيات مبكرة ومستمرة لتثبيت العلاقات مع الدول الأعضاء، وتقديم أنفسهم كفاعلين يمكن التنبؤ بسلوكهم، ويمكن الاعتماد عليهم في ملفات لا تتصدر عادة الاهتمام الإعلامي العالمي. لقد مارست فيينا ما يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية المؤسسية الهادئة»، مستفيدة من حيادها الدستوري ومن موقعها كأحد مراكز الأمم المتحدة، لتحويل نفسها إلى نقطة التقاء بين الكتل الجيوسياسية. أما لشبونة، فقد وظفت شبكتها اللغوية والتاريخية داخل فضاء الدول الناطقة بالبرتغالية، بما وفر لها قاعدة دعم عابرة للقارات، لكنها متماسكة سياسيا داخل سياق الأمم المتحدة. في المقابل، بدت الحملة الألمانية أقل ارتباطا بمنطق التراكم الطويل، وأكثر اعتمادا على ثقل الدولة داخل النظام الأوروبي، وهو ما لا يترجم تلقائيا إلى دعم داخل الجمعية العامة.

حدود القوة البنيوية

تكشف هذه النتيجة عن فجوة متزايدة بين «القوة البنيوية» و«القوة التشغيلية» في السياسة الدولية. فكون ألمانيا فاعلا اقتصاديا مركزيا داخل الاتحاد الأوروبي لم يُترجم إلى قدرة موازية على بناء ائتلافات انتخابية في منظمة عالمية متعددة الانتماءات. تعمل الأمم المتحدة وفق منطق مختلف: الدول الصغيرة والمتوسطة ليست مجرد مستقبلين للنفوذ، بل فاعلين مستقلين في تشكيل نتائجه. في هذا السياق، تصبح التفاصيل-الزيارات الدبلوماسية المبكرة، الالتزامات الثنائية، واستمرارية التواصل-أكثر تأثيرا من الخطابات العامة حول النظام الدولي أو التعددية.

معضلة التماسك في السياسة الخارجية الألمانية

إلى جانب العوامل الإجرائية، تطرح النتيجة سؤالًا أعمق يتعلق ببنية السياسة الخارجية الألمانية نفسها. إذ تتحرك هذه السياسة ضمن ثلاث دوائر ضغط متداخلة: التزام قوي تجاه أوكرانيا في مواجهة روسيا، وقيود تاريخية وسياسية مرتبطة بالعلاقة مع إسرائيل، وطموح معلن للقيام بدور عالمي دفاعًا عن النظام متعدد الأطراف. غير أن هذا التعدد في الالتزامات، بدل أن ينتج مرونة استراتيجية، يخلق أحيانا صورة خارجية أقل اتساقا، ويجعل من الصعب تقديم خطاب دبلوماسي واحد قابل للتسويق عالميا خارج الفضاء الغربي.

النمسا والبرتغال: براغماتية صغيرة بفعالية عالية

تكشف المقارنة مع النمسا والبرتغال عن عنصر حاسم غالبا ما يغفل في تحليل القوة الدولية: الكفاءة التنظيمية للدبلوماسية الصغيرة. فهاتان الدولتان لم تنافسا ألمانيا على أساس الموارد، بل على أساس المنهج. النمسا راكمت موقعها كوسيط محايد داخل النظام الدولي، بينما حولت البرتغال رأسمالها اللغوي والتاريخي إلى شبكة دعم سياسية ممتدة. في الحالتين، كانت الفكرة المركزية واضحة: بناء الثقة لا إعلان المبادئ.

الأمم المتحدة كاختبار للنفوذ غير المرئي

لا تشير هذه الواقعة إلى تراجع ألمانيا بقدر ما تكشف حدود تصور معين للنفوذ الدولي. فالنظام متعدد الأطراف لا يعيد إنتاج موازين القوى الاقتصادية، بل يعيد توزيعها عبر آليات أقل وضوحا وأكثر تدرجا. في هذا السياق، لا تهزم الدول الكبرى بسبب ضعف مواردها، بل بسبب سوء ترجمة هذه الموارد إلى حضور دبلوماسي مستدام. تُظهر تجربة برلين أن المكانة الدولية ليست معطى ثابتا، بل عملية تفاوض مستمرة، وأن الشرعية داخل المؤسسات الدولية تكتسب ببطء، وتفقد بسرعة أكبر مما يعتقد في العواصم الكبرى.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *