بين الشطرنج الفارسي وبوكر واشنطن

بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس

قد لا تدار المفاوضات الكبرى على طاولة الدبلوماسية وحدها، بل تخاض أيضا داخل بنية الثقافة الاستراتيجية لكل دولة. ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران أقرب إلى مواجهة بين مدرستين مختلفتين في إدارة الصراع: مدرسة فارسية تتقن لعبة الشطرنج، وأخرى أمريكية، ارتبطت في عهد دونالد ترامب بمنطق البوكر وفلسفة «الصفقة». ليست هذه مجرد استعارة أدبية، بل مدخل لفهم اختلاف عميق في إدراك الزمن، وإدارة القوة، وتوظيف عناصر الضغط والتفاوض. فالاستراتيجية الإيرانية، كما تبدو في سلوك مؤسسات الدولة، تقوم على النفس الطويل. فالمؤسسة الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، إلى جانب الشبكات الاقتصادية التي راكمت خبرة في التكيف مع العقوبات، تنظر إلى الصراع باعتباره ماراثونًا لا سباقا قصيرا. وفي هذا التصور، لا تقاس المكاسب بالأسابيع أو الأشهر، بل بقدرة الدولة على المحافظة على أوراقها الاستراتيجية، وإرهاق خصمها، وانتظار اللحظة التي تتبدل فيها موازين القوى.

من هذا المنطلق، يصبح عامل الزمن نفسه سلاحا تفاوضيا. فالتغيرات السياسية داخل الولايات المتحدة، والدورات الانتخابية، والاستقطاب الحزبي، والضغوط الاقتصادية، ليست بالنسبة إلى طهران مجرد أحداث داخلية أمريكية، بل متغيرات تدخل في الحساب الاستراتيجي، تماما كما تستثمر المربعات الضعيفة في رقعة الشطرنج. وفي المقابل، ارتبطت مقاربة إدارة ترامب، كما عُرفت في ولايته الأولى واستمرت ملامحها في خطابه السياسي، بمنطق مختلف؛ يقوم على رفع سقف الضغوط إلى الحد الأقصى، وإظهار الاستعداد للتصعيد، ثم تحويل هذا الضغط إلى ورقة تفاوضية تفضي إلى اتفاق يُقدَّم بوصفه إنجازًا سياسيًا. إنها مقاربة تستند إلى سرعة الحركة، والمفاجأة، وإدارة المخاطر، وهي خصائص أقرب إلى لعبة البوكر منها إلى الشطرنج.

غير أن هذه المقاربة تصبح أكثر تعقيدا عندما يكون الطرف المقابل قد راكم خبرة طويلة في التعايش مع العقوبات والضغوط، ولم يعد ينظر إلى التهديدات بوصفها عنصرًا كافيا لتغيير حساباته. كما أن تعدد الملفات الدولية، من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، يفرض على صانع القرار الأمريكي توزيع موارده السياسية والعسكرية والدبلوماسية على أكثر من جبهة، وهو ما قد يقلل من هامش المناورة في أي ملف منفرد. ومن هنا، فإن قراءة ما جرى خلال النصف الأول من عام 2026 توحي بأن الطرفين يتحركان وفق منطق إدارة المخاطر أكثر من البحث عن حسم نهائي. فالولايات المتحدة تسعى، بحسب ما يظهر من مواقفها المعلنة، إلى منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة، مع الإبقاء على أدوات الضغط السياسي والاقتصادي. أما إيران، فتسعى إلى المحافظة على عناصر قوتها التفاوضية، وتجنب حرب مباشرة، مع الاستمرار في الدفاع عن ما تعتبره خطوطا حمراء تتعلق ببرنامجها النووي وقدراتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي.

وفي هذا السياق، لا يبدو أن أحد الطرفين حقق انتصارا حاسما، بقدر ما يسعى كل منهما إلى تحسين موقعه التفاوضي. فواشنطن تعتبر تجنب الحرب مكسبا استراتيجيا، فيما تقدم طهران قدرتها على الصمود واستمرار التفاوض دون التخلي عن ركائزها الأساسية باعتبارها دليلا على نجاح استراتيجيتها. إن الصورة الأقرب إلى الواقع ليست صورة غالب ومغلوب، بل رقعة شطرنج تتحرك فوقها القطع ببطء، فيما يحاول الطرف الآخر كسب الجولة عبر رهانات سريعة وحسابات دقيقة. وفي مثل هذا النوع من الصراعات، لا تقاس النتائج بعدد التصريحات أو العقوبات، بل بقدرة كل طرف على إدارة الزمن، والحفاظ على أوراقه، ومنع خصمه من فرض قواعد اللعبة.

لذلك، قد تكون الاستعارة الأكثر دقة لفهم المشهد هي أن إيران تفاوض بعقل لاعب شطرنج يراكم المواقع ويقبل بالتضحيات التكتيكية في سبيل مكاسب استراتيجية، بينما تفاوض الولايات المتحدة، في كثير من الأحيان، بعقل لاعب بوكر يراهن على قوة الأوراق والضغط النفسي وسرعة الحسم. وعندما يطول أمد المباراة، وتتشابك الجبهات، وتتقلص هوامش المناورة، يصبح عامل الزمن نفسه أحد أهم اللاعبين على الطاولة. وهكذا، فإن مستقبل التفاهم الأمريكي-الإيراني لن تحدده البيانات الرسمية وحدها، بل سيبقى رهينا لقدرة كل طرف على إدارة توازن دقيق بين الردع والتفاوض، وبين إظهار القوة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة لا يرغب أي منهما في دفع كلفتها الكاملة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *