(بقلم جيراردو كريمونا-ترجمة زكية لعروسي (بتعاون مع فوكوس مييتيراني
عندما يكتب المؤرخون تاريخ المغرب المعاصر، فإنهم لن يتوقفوا فقط عند الإصلاحات الاقتصادية أو التحولات الدستورية أو المشاريع الكبرى التي غيرت وجه المملكة، بل سيجدون في السياسة الرياضية التي أرساها جلالة الملك محمد السادس أحد أبرز أعمدة النهضة المغربية الحديثة. فقد تحولت الرياضة، خلال ربع قرن، من نشاط ترفيهي إلى مشروع وطني متكامل يجمع بين التنمية البشرية والقوة الناعمة والدبلوماسية الاقتصادية وصناعة الأمل.
لقد انطلقت هذه الرؤية من قناعة راسخة بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان. ولذلك شهد المغرب طفرة غير مسبوقة في بناء الملاعب والأكاديميات ومراكز التكوين، إلى جانب تعميم ملاعب القرب في المدن والقرى، حتى أصبحت الرياضة حقا متاحا لكل طفل وشاب، وليس امتيازا لفئة محدودة. ومن رحم هذه السياسة ولدت أجيال جديدة من الرياضيين الذين حملوا راية الوطن إلى أعلى المنصات الدولية.
وجاء الإنجاز التاريخي لأسود الأطلس في كأس العالم بقطر سنة 2022 ليبرهن أن النجاحات الكبرى لا تصنعها الصدفة، وإنما تصنعها الرؤية والإرادة والاستثمار طويل الأمد. لقد تابع العالم بأسره منتخب المغرب وهو يكتب صفحة جديدة في تاريخ كرة القدم، فكان الانتصار انتصارا لقارة إفريقيا وللعالم العربي، قبل أن يكون انتصارا للمملكة وحدها. ولم تتوقف آثار هذه النهضة عند حدود الملاعب. فقد أصبحت الرياضة مدرسة لترسيخ قيم المواطنة والانضباط والعمل الجماعي، وساهمت في الحد من الإقصاء الاجتماعي ومنحت آلاف الشباب أملا جديدا في مستقبل يصنع بالاجتهاد والكفاءة. كما شهدت الرياضة النسوية المغربية تطورا لافتا، فأصبحت البطلات المغربيات رموزا للإرادة والطموح، وأسهمن في ترسيخ صورة المرأة المغربية الفاعلة في مختلف مجالات الحياة.
أما على المستوى الدولي، فقد تحول المغرب إلى شريك موثوق في تنظيم أكبر التظاهرات الرياضية، وتوج هذا المسار بالفوز بحق استضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. وهذا الاستحقاق ليس مجرد حدث رياضي، بل هو اعتراف عالمي بقدرة المملكة على الجمع بين الاستقرار والكفاءة والطموح. إن التجربة المغربية تؤكد أن الرياضة أصبحت لغة للتنمية وأداة لبناء الإنسان وجسرا للتقارب بين الشعوب. وفي ظل القيادة المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، تواصل المملكة ترسيخ نموذج تنموي يجعل من الرياضة إحدى ركائز نهضتها، ويمنحها مكانة متقدمة بين الأمم الصاعدة في القرن الحادي والعشرين.
📲 Partager sur WhatsApp