العلاقات الدولية ودبلوماسية المناخ

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

في لحظات الكوارث الكبرى تتراجع الحدود أمام قوة الطبيعة، وتكتشف الدول أنّ الأمن الحقيقي لا يبنى فقط بالاتفاقيات السياسية والاقتصادية، بل أيضا بقدرة الجيران على الوقوف معا عندما تواجه الأرض امتحانا قاسيا. ومن قلب شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث امتدت موجة حر استثنائية فوق البرتغال، جاءت نداءات التعاون لتكشف أن مواجهة النيران لم تعد شأنا داخليا، بل أصبحت مسؤولية مشتركة في عالم تتسارع فيه آثار التغير المناخي. فقد وجدت البرتغال نفسها أمام واحد من أصعب السيناريوهات المناخية، بعدما اجتمعت ثلاثة عوامل خطيرة: درجات حرارة تجاوزت الأربعين درجة مئوية في عدد من المناطق، وانخفاض شديد في الرطوبة، ورياح قوية ساعدت على انتشار النيران بسرعة كبيرة.

وفي مثل هذه الظروف لا تصبح الغابات مجرد مساحات خضراء تحترق، بل تتحول إلى ذاكرة بيئية وإنسانية مهددة، وإلى ثروة طبيعية تحتاج إلى حماية تتجاوز حدود الدول. ومن هنا جاء طلب لشبونة دعم المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي للحفاظ على جاهزية وسائل إضافية لمواجهة خطر الحرائق. ولم يقدم هذا الطلب باعتباره عجزا في القدرات الوطنية، بل باعتباره جزءا من منطق جديد في إدارة الأزمات يقوم على الوقاية والاستباق والتعاون قبل وقوع الكارثة. لقد أدركت البرتغال أنّ النار لا تنتظر الإجراءات البيروقراطية، وأن الدقائق في مواجهة الحرائق قد تكون الفاصل بين السيطرة والانتشار. لذلك أصبح التنسيق الإقليمي عاملا أساسيا في حماية السكان والغابات والبنية التحتية.

يحمل طلب المساعدة من المغرب دلالة خاصة، فالمملكة ليست فقط جارا عبر الفضاء الأطلسي والمتوسطي، بل شريك تربطه بالبرتغال علاقات تاريخية ومصالح متنامية في مجالات البيئة والطاقة والمياه والأمن المدني. لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن دول غرب المتوسط وشمال إفريقيا تواجه تحديات مناخية متشابهة: الجفاف، وندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد خطر الحرائق. وهذه التحديات تجعل التعاون بين ضفتي المتوسط ضرورة عملية وليست مجرد خيار دبلوماسي. فالنار التي تشتعل في غابة برتغالية لا تعرف معنى الحدود، والدخان الذي يرتفع من منطقة لا يتوقف عند نقطة جغرافية مرسومة على الخريطة. ولهذا أصبحت الحماية المدنية والتعاون البيئي جزءا من مفهوم جديد للأمن المشترك.

إلى جانب المغرب، تلعب إسبانيا دورا محوريا بحكم القرب الجغرافي والتجربة المشتركة في مواجهة حرائق الغابات. فالبلدان يشكلان معا فضاء أيبيريا واحدا تتداخل فيه المخاطر المناخية. وقد أرسلت إسبانيا وحدات متخصصة للمراقبة والاستطلاع والدعم اللوجستي، في رسالة تؤكد أن أمن شبه الجزيرة الأيبيرية يقوم على التعاون وليس على العمل المنفرد. كما فعل الاتحاد الأوروبي آليات الحماية المدنية المشتركة، بما فيها القدرات الأوروبية للاستجابة السريعة والدعم عبر الأقمار الصناعية، لتوفير المعلومات والمساندة للدول المتضررة. وهكذا تتحول مواجهة الحرائق إلى نموذج مصغر لفكرة التضامن الأوروبي والدولي في مواجهة ظواهر لا يمكن لدولة واحدة أن تواجهها بمفردها.

لم تعد حرائق الغابات أحداثا استثنائية كما كانت في الماضي، بل أصبحت جزءا من واقع مناخي جديد. فارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار وزيادة فترات الجفاف كلها عوامل تخلق بيئة مثالية لانتشار الحرائق. والبحر المتوسط يعد من أكثر المناطق تأثرا بهذه التحولات، حيث تتقاطع هشاشة النظم البيئية مع كثافة النشاط البشري. لذلك فإن مواجهة الحرائق لا تبدأ عند وصول سيارات الإطفاء، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: في سياسات حماية الغابات، والتخطيط العمراني، وإدارة المياه، والتوعية المجتمعية، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة للتنبؤ المبكر.

في قلب هذه المواجهة تقف فرق الإطفاء البرتغالية التي تخوض معركة يومية ضد النيران. فمئات رجال الإطفاء والعربات والطائرات يعملون على تطويق الحرائق ومنع وصولها إلى المناطق السكنية والمجالات الطبيعية الحساسة. ويظل حريق منطقة فوزيلا من بين أكثر البؤر التي استحوذت على جهود فرق التدخل، بسبب قربه من مناطق جبلية وغابات معرضة للانتشار السريع. لكن تجربة البرتغال تؤكد حقيقة أساسية: أن مواجهة الكوارث الكبرى لم تعد بطولة فردية، بل هي عمل جماعي تشترك فيه الدول والمؤسسات والمجتمعات.

تكشف هذه الأزمة أن العلاقات بين الدول لم تعد تبنى فقط حول التجارة والسياسة والأمن التقليدي، بل أصبحت تشمل أيضا قضايا البيئة والمناخ والكوارث الطبيعية. فالتعاون بين البرتغال والمغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي يمثل صورة جديدة لدبلوماسية القرن الحادي والعشرين، حيث تتحول المساعدة المتبادلة في مواجهة الأزمات إلى لغة مشتركة بين الشعوب. وفي عالم ترتفع فيه حرارة الكوكب، تصبح طائرات الإطفاء وفرق الإنقاذ وصور الأقمار الصناعية أدوات جديدة للتقارب بين الدول، تماما كما كانت الموانئ والطرق التجارية أدوات للتواصل في عصور سابقة.

حرائق البرتغال ليست مجرد حادث بيئي عابر، بل رسالة قوية تحملها الطبيعة إلى العالم. رسالة تقول إن التحديات الكبرى لم تعد تعترف بالحدود، وإن مستقبل الأمن الإنساني مرتبط بقدرة الدول على التعاون والتضامن. ومن خلال طلب الدعم من المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، تؤكد البرتغال أن مواجهة الخطر المشترك تحتاج إلى تحالفات جديدة، تحالفات لا تقوم فقط على المصالح السياسية، بل على حماية الأرض والإنسان والمستقبل. فحين تشتعل الغابات، لا يكون الانتصار الحقيقي فقط في إخماد النار، بل في بناء الجسور التي تمنع تكرار الكارثة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *