إعادة حضور المغرب في فضاء أمريكا اللاتينية

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

في عالم السياسة الدولية لا توجد مواقف ثابتة إلى الأبد، فالدول مثل الكائنات الحية تعيد ترتيب خياراتها كلما تغيرت موازين القوى، وتبدلت الأولويات، وظهرت معطيات جديدة على مسرح العلاقات الدولية. ومن هذا المنطلق يأتي القرار الذي أعلنته الرئيسة المنتخبة لبيرو كييكو فوجيموري بشأن موقف بلادها من قضية الصحراء باعتباره محطة سياسية تعكس تحولا في مسار العلاقات بين ليما والرباط، وتفتح نافذة جديدة على طبيعة التحولات الجارية في فضاء أمريكا اللاتينية.

لقد حمل اللقاء بين الرئيسة المنتخبة والسفير المغربي في ليما أمين الشودري، الذي سلمها رسالة تهنئة من الملك محمد السادس بمناسبة انتخابها، دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد. فقد شكل مناسبة للتعبير عن توجه سياسي جديد في السياسة الخارجية البيروفية، يقوم على إعادة تقييم عدد من الملفات الإقليمية والدولية، ومن بينها قضية الصحراء التي ظلت لعقود حاضرة في علاقات بيرو مع المغرب ومع مختلف الأطراف المعنية. وبحسب المعطيات المعلنة، أكدت الرئيسة المنتخبة دعم حكومتها لوحدة المغرب الترابية ولمبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها الرباط كحل سياسي للنزاع، كما عبرت عن دعمها للقرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي يندرج ضمن المسار الأممي الرامي إلى الدفع نحو حل سياسي واقعي ودائم.

من تاريخ المواقف المتحركة إلى مرحلة إعادة التموضع

تكتسب الخطوة البيروفية أهميتها بالنظر إلى تاريخ هذا الملف داخل السياسة الخارجية لبيرو. فقد شهدت العقود الماضية تغيرات متعددة في مواقف الحكومات المتعاقبة، بين مراحل اتسمت بالتقارب مع جبهة البوليساريو، ومراحل أخرى اختارت فيها ليما مراجعة هذا المسار أو تجميد بعض مظاهره. ففي ثمانينيات القرن الماضي، اتخذت بيرو موقفا اعترفت بموجبه بالجمهورية الصحراوية المعلنة من جانب واحد، قبل أن تشهد العلاقات مع هذا الكيان تحولات لاحقة انتهت في تسعينيات القرن الماضي إلى تعليق العلاقات خلال عهد الرئيس ألبرتو فوجيموري.

وظل هذا الوضع قائما لسنوات طويلة، قبل أن تعود القضية إلى واجهة النقاش السياسي خلال فترة حكم الرئيس بيدرو كاستيو، الذي أعاد في عام 2021 العلاقات مع جبهة البوليساريو، وهي الخطوة التي أثارت جدلا داخليا ودبلوماسيا، قبل أن تعرف تطورات جديدة خلال الحكومات اللاحقة. ويكشف هذا المسار أن موقف بيرو من القضية لم يكن منفصلا عن التحولات السياسية الداخلية وعن اختلاف رؤى الحكومات المتعاقبة لطبيعة العلاقات الدولية ومصالح البلاد الخارجية.

الدبلوماسية المغربية في فضاء أمريكا اللاتينية

لا يمكن فهم التحول في الموقف البيروفي بمعزل عن الحضور المتزايد للدبلوماسية المغربية في أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة. فقد انتقلت العلاقات بين المغرب وعدد من دول المنطقة من مستوى التواصل السياسي التقليدي إلى فضاء أوسع يشمل التعاون الاقتصادي والثقافي والجامعي، وتبادل الخبرات، وبناء شراكات في مجالات التنمية والاستثمار. وتسعى الرباط من خلال هذا الانفتاح إلى تعزيز حضورها في منطقة كانت تاريخيا تشهد تباينا في المواقف حول قضية الصحراء، وذلك عبر تقديم مقاربة تقوم على توسيع مجالات التعاون وربط العلاقات الثنائية بمصالح استراتيجية مشتركة. وقد شهدت السنوات الأخيرة تغيرات في مواقف عدد من دول أمريكا اللاتينية والكاريبي، حيث قامت بعض الدول بتجميد أو مراجعة علاقاتها مع الجمهورية الصحراوية المعلنة من جانب واحد، في سياق تحولات دبلوماسية تعكس تغير الأولويات الإقليمية والدولية.

فضاء جديد للتنافس الدبلوماسي

تمثل أمريكا اللاتينية اليوم مجالا مهما في التوازنات الدولية الجديدة. فهي قارة تمتلك موارد طبيعية هائلة، وأسواقا واعدة، وموقعا استراتيجيا بين المحيطين الأطلسي والهادئ. ولهذا أصبحت محط اهتمام متزايد من قوى دولية مختلفة تسعى إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي فيها. وفي هذا السياق، تكتسب العلاقات المغربية اللاتينية بعدا يتجاوز الملفات الثنائية. فالمغرب ينظر إلى هذه المنطقة باعتبارها شريكا محتملا في بناء جسور جديدة بين إفريقيا والعالم الأطلسي، بينما تبحث دول أمريكا اللاتينية عن شركاء قادرين على تقديم فرص اقتصادية وتنموية مستقرة. ومن هنا فإن كل تحول دبلوماسي في مواقف هذه الدول يصبح جزءا من مشهد أوسع تتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع التحولات الدولية الكبرى.

قرار سياسي ورسائل متعددة

يحمل موقف الرئيسة المنتخبة لبيرو رسائل متعددة. فمن جهة، يعكس توجها نحو إعادة صياغة السياسة الخارجية البيروفية بما ينسجم مع رؤية جديدة للعلاقات الدولية. ومن جهة أخرى، يعبر عن رغبة في تعزيز العلاقات مع المغرب باعتباره فاعلا إقليميا مهما في محيطه الإفريقي والمتوسطي. كما يعكس هذا التحول أهمية الدبلوماسية الهادئة والطويلة المدى في بناء العلاقات بين الدول. فالعلاقات الدولية لا تصنعها البيانات السياسية وحدها، بل تبنى أيضا عبر التعليم والثقافة والاستثمار والتبادل الإنساني.

من مساحات التباعد إلى آفاق التقارب

تاريخ العلاقات الدولية مليء بالأمثلة التي تؤكد أن النفوذ لا يبنى فقط بالقوة، بل بالقدرة على بناء الثقة والشراكات. وفي هذا الإطار، يمثل التقارب المغربي مع دول أمريكا اللاتينية مسارا دبلوماسيا يهدف إلى خلق شبكة أوسع من المصالح المتبادلة. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي بين إفريقيا وأوروبا والعالم الأطلسي، يقدم نفسه كحلقة وصل بين فضاءات اقتصادية وسياسية مختلفة. كما أن دول أمريكا اللاتينية تبحث بدورها عن تنويع شركائها والانفتاح على تجارب جديدة في مجالات التنمية والاستثمار.

إن التحول في موقف بيرو لا ينبغي قراءته فقط من زاوية ملف واحد، بل ضمن سياق أوسع يشهد إعادة تشكيل للتحالفات والعلاقات الدولية. فالعالم اليوم يتجه نحو مرحلة تتراجع فيها التحالفات التقليدية المغلقة، لصالح شراكات أكثر مرونة تقوم على المصالح المشتركة والقدرة على التعاون في مواجهة التحديات العابرة للحدود. ومن هذا المنظور، فإن تطور العلاقات المغربية البيروفية قد يشكل نموذجا على كيفية انتقال الدبلوماسية الحديثة من منطق الاصطفاف إلى منطق الشراكة، ومن لغة الخلافات التاريخية إلى لغة المشاريع المستقبلية.

إن القرار البيروفي الجديد يفتح صفحة جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، لكنه أيضا يذكر بحقيقة أساسية في عالم السياسة: أن التحولات الكبرى لا تصنعها اللحظة الواحدة، بل تصنعها سنوات من الحوار وبناء الثقة وتراكم المصالح. وهكذا تستمر الدبلوماسية في رسم خرائطها الجديدة، حيث تتحول العواصم البعيدة جغرافيا إلى نقاط اتصال في شبكة عالمية تتغير باستمرار، ويصبح الحوار بين الدول جسرا يعبر فوق اختلافات الماضي نحو آفاق التعاون في المستقبل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *