بقلم زكية لعروسي، باريس
على ضفاف نهر السين، حيث تتراقص أضواء الأضواء الكاشفة على واجهات المباني الحجرية العتيقة، تختبئ مملكة موازية. ليست مملكة الأمراء والصناديق الاستثمارية، بل مملكة الصرصور البنيّ السريع، والفأر الرمادي الذي يجيد فن التسلل بين الجدران. فباريس، تلك السيدة العجوز المتألقة بأسوارها المذهبة، تئن تحت وطأة غزو صامت: لا غبار فيه ولا طبول، بل خرير أقدام صغيرة في الليل، وحفيف أجنحة شفافة في المطابخ الفارهة. وفي قلب هذا الصراع الوجودي، يقف الإنسان الباريسي – سواء كان يدفع إيجار شقة بثلاثة آلاف يورو أو ينام في غرفة بلا تهوية – كشاهد عاجز على حقيقة مزعجة: أن الحشرات والقوارض لم تكن يوما دخيلة على المدينة. بل هي، بطريقة ما، أكثر أصالة منها…هم رفقاء درب لا ينفصلون
فلطالما عاشت الحشرات والقوارض مع الإنسان، كشريك هش في معادلة غير متكافئة. استعرنا منها الأريكة، وأعارتنا الجدران. فالقمل صاحب الفرعون قبل أن يصاحب الفلاح، والفأر سكن الكهف قبل أن يسكن القصر. ولو كان أرسطو حيا اليوم لكتب فصلا جديدا في “تاريخ الحيوانات” عن الفئران التي أتقنت فن العيش بين الرفاهية والقذارة، متنقلة من قبو فقير إلى مخزن ثري كأنها تجسيد للعدالة الاجتماعية الطبيعية.

أما الجاحظ، ذاك العاشق المجنون للكائنات الصغيرة، فقد زار الجامع الأموي في دمشق ذات يوم ولم يكد يرفع رأسه حتى وجد البعوض يملأ الفضاء كالسحاب. لم يسبّها، بل تأملها. كتب يقول: “لو فكر البعوض في جبروت الله لما أمسك عن الطيران”. وهو نفسه الذي كان سيسخر بمرارة لو رأى صرصورا يتجول في مطبخ بحي لباستيي بلا خوف، متحديا كل قوانين النظافة التي وضعها الإنسان بعد ألف عام من التجارب.
يبدو الصرصور الباريسي المعاصر أكثر حكمة من ساكن الشقة التي يقطنها. لقد فهم درس التطور داروين قبل أن يقرأه أحد. لم يعد يحتاج إلى الظلام الدامس، بل يتجول في وضح النهار بين أرجل الأطفال الذين يلهون على سجاجيد صوفية ثمينة. فقناعته بسيطة: هنا طعام، هنا ماء، هنا دفء. لا يهمه إن كانت الجدران من العصر الحجري الحديث أم من عصر هوسمان، ولا إن كان الهواء يفوح بعطر فان كليف أند أوربلز أم برائحة الزيت المحروق.
لكن الأدهى من ذلك، أن الصرصور يعرف أن حربه ليست مع الإنسان بقدر ما هي مع النظافة الزائفة. ففي الأحياء البورجوازية، حيث تُلمّع الأرضيات ثلاث مرات يوميا، تزحف الفئران من تحت الأرضيات الخشبية العتيقة كأنها تنتقم من قرون من الإقصاء. إنها ثورة صامتة من الأسفل، ثورة المهمشين من نوع آخر.

والفأر، ذلك الكائن الذي أنقذ البشرية مرة حين قضم حبال السفن العربية في ميناء عكّا (بحسب رواية متأخرة)، يعيش الآن مأساة وجودية. إنه ليس مجرد آفة، بل كائن اختارته العناية الإلهية ليكون رقيبا على فساد المدن. حيثما غاب الإنسان عن واجبه في الحفاظ على مسكنه، حضر الفأر ليشهد على الفشل.
في الدوائر الباريسية الراقية، تختبئ الجحور خلف ألواح الجبس بورد المزدانة بزخارف روكوكو. تسمع خريرها ليلا فلا تعرف إن كانت حفيدة الماركيز تعيد ترتيب خزانة مجوهراتها أم أن جيشا رماديا يستعد لاقتحام الثلاجة. وهنا تكمن المفارقة: الفأر لا يعرف الفرق بين شارع فوبورج سانت أونوريه وشارع باربيس، لكنه يعرف جيدا أين يجد جبنة كممبير الطرية.

لو عاش كافكا في باريس اليوم، لما كتب عن رجل يتحول إلى حشرة، بل عن حشرة تتحول إلى إنسان. ولو كان ماركيز حيا، لوصف أمطارا من الصراصير تسقط على شانزيليزيه في مايو. وربما كتب إيتالو كالفينو روايته “المدن الخفية” عن مدينة تحت الأرض تسكنها فئران مثقفة تناقش روسو وفولتير بينما فوقها يدفع الباريسيون إيجارات خيالية.
أما الجاحظ لو عاد، فسيؤلف كتابا ثانيا بعنوان “البخلاء والصراصير”، يصف فيه كيف يبخل الإنسان على نفسه بمنزل نظيف ويبخل على الفأر بزاوية ينام فيها، فلا يبقى للجميع إلا العراء والوحل. وسينتهي إلى نتيجة محزنة: أن معركة الإنسان مع الحشرات هي معركته مع نفسه، مع كسله، مع جشعه، مع فشله في بناء مدينة ترحم الجميع.
في الليلة التي كتب فيها هذا المقال قارئي العزيز، تجول فأر صغير في ساحة الأوبرا، غير آبه بمئات الأقدام التي تدوس أمامه. توقف للحظة، شم هواء الربيع الممزوج بعوادم السيارات، ثم تابع طريقه. لم يكن يعلم أنه بطلا لدراما إنسانية، ولا أنه شاهد على فشل نظام سكني بأكمله. كان فقط يبحث عن لقمة خبز.
ربما في هذا الإصرار البسيط على البقاء، تكمن رسالة للبشر: إن لم تستطع بناء مدينة نظيفة للجميع، فاستعد لمشاركتها مع مملكة الصراصير والفئران. فهن لا يعرفن البورجوازية، ولا يميزن بين الحقائب الجلدية والصناديق الكرتونية. يعرفن شيئا واحدا فقط: أن باريس، بكل جمالها وقبحها، هي بيتهن مثلما هي بيتك. وربما أكثر. وبينما تنام المدينة الباريسية تحت سماء رمادية، وتستمر مئات العائلات في خيامها أمام دار البلدية، يبدأ جيش الليل الصغير حركته بهدوء. لا لافتات يرفعها، ولا شعارات يهتف بها. فقط ضحكة صامتة تشبه الاستحقاق الطبيعي: أيها الإنسان، أنت الذي أفسدت بيئتك. لكننا بقينا هنا منذ البداية … وسنبقى بعد أن ترحل.
📲 Partager sur WhatsApp