بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ما أكثر الأكاذيب التي تبدأ جملة قصيرة، ثم تكبر حتى تظنها الأجيال جبلا. ومن أكثرها شيوعا ذلك القول الذي يتردد اليوم كأنّه خاتمة البحث لا بدايته: لقد طمس الفتح الإسلامي الهوية الفارسية. وما أيسر إطلاق الأحكام حين يكون التاريخ بعيدا، وما أعسر الإنصاف حين تشتبك الوقائع، وتتداخل الأمم، وتتبادل الحضارات دماءها الثقافية كما تتبادل الأشجار جذور الماء في باطن الأرض.ى إن الذين يقرأون التاريخ بعين الغضب لا يرون إلا صليل السيوف، والذين يقرؤونه بعين التمجيد لا يسمعون إلا أناشيد الفاتحين. أما التاريخ نفسه، فلا يسكن في السيف ولا في القصيدة، بل يقيم في المنطقة التي يهرب منها المتعصبون جميعا. إنه ابن التعقيد، وعدو الشعارات. كان سقوط الدولة الساسانية حدثا سياسيا هائلا، ولا ريب في ذلك. سقطت عروش، وتبدلت موازين القوى، وانطفأت نار إمبراطورية امتدت قرونا. لكن سقوط الدولة ليس موت الأمة، كما أن احتراق القصر لا يعني احتراق اللغة، ولا انهيار التاج يعني انهيار الذاكرة. لقد أخطأ كثيرون حين خلطوا بين الإمبراطورية والهوية. الإمبراطوريات تولد وتموت كما تموت الأشجار المعمرة، أما الهويات الحية فهي تشبه الغابات. قد تسقط شجرة، لكن البذور تظل تنام في التراب، تنتظر مطرا جديدا. ولو كانت الأمم تموت كلما هزمت، لما بقي في الدنيا يوناني بعد الإسكندر، ولا مصري بعد الرومان، ولا هندي بعد المغول، ولا أوروبي بعد نابليون.

إنّ الهوية ليست سورا من الحجارة، بل نهر من الذاكرة. والنهر لا يختفي لأنه غير مجراه، بل يظل يحمل ماءه وإن تبدلت ضفافه. وهنا تبدأ المفارقة التي يعجز عنها أصحاب الشعارات. إذا كان الإسلام قد جاء ليطمس فارس، فمن الذي حفظ العربية نفسها؟ من الذي وضع للنحو أعمدته حتى استقام لسان العرب بعد أن اتسعت الدولة واختلطت الألسن؟ أليس سيبويه، الفارسي الذي صار إمام العربية؟ أي مفارقة هذه التي تجعل أمة يقال إنها سحقت، ثم تجعل أحد أبنائها المرجع الأعلى في علم لغة من قيل إنها فرضت بالقوة؟ ومن الذي شيد صروح البلاغة والتفسير؟ ومن الذي أضاء خزائن الحديث؟ كيف أصبحت أسماء مثل البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، أعمدة السنة النبوية، وأكثرهم خرج من أقاليم فارسية أو من المجال الحضاري الإيراني الواسع؟ أي طمس هذا الذي ينتهي بأن يصبح أبناء الأمة المزعوم أنها محيت، هم أمناء الذاكرة الإسلامية؟

إنّها ليست مفارقة، بل دليل. دليل على أن ما جرى لم يكن محوا للهوية، وإنما انتقالا من إطار إمبراطوري إلى فضاء حضاري أوسع. لقد دخل العرب فارس يحملون دينا، ولم يدخلوا يحملون مقصلة لغوية. كانت العربية لغة القرآن، ثم أصبحت لغة العلم، تماما كما أصبحت اللاتينية بعد ذلك لغة الجامعات الأوروبية. لكن أحدا لا يقول إن اللاتينية أعدمت الفرنسية أو الإسبانية أو الإيطالية. كانت لغة جامعة، لا سجانا للهويات. بل إن الفارسية نفسها نهضت من جديد، ولكنها نهضت أكثر ثراء. استعارت من العربية مفردات، كما استعارت العربية من الفارسية ألفاظا وأساليب ومظاهر حضارية. ولم يكن ذلك استسلاما، بل كان قانون الحضارات الكبرى. فالثقافات التي تثق بنفسها لا تخاف الاقتراض، لأنها تعرف أن الاقتراض ليس فقدانا للذات، بل زيادة في الثروة. اقرأ الشاهنامة، تجد روح إيران القديمة تنبض كما لو أنّ الساسانيين غادروا القصر بالأمس. اقرأ دواوين الشعر الفارسي، تجد زردشت يمر أحيانا في الظلال، ثم يلتقي بمحمد في فضاء روحي جديد، دون أن يشعر النص بأنّه ارتكب خيانة لأحد. إن الحضارات العظيمة لا تمحو ما سبقها، بل تعيد تأويله. الإسلام لم يحرق الذاكرة الفارسية، وإنما أعاد ترتيب رفوفها.
ولعل أعظم خطأ يرتكبه المؤرخ حين يقيس التاريخ بمقياس المنتصر والمهزوم فقط. فكم من مهزوم انتصر في الثقافة، وكم من منتصر هزمته الذاكرة. لقد هزم الرومان اليونان عسكريا، ثم استيقظوا بعد قرن يتعلمون الفلسفة اليونانية، ويقلدون فنونها، ويترجمون آدابها. وهزم المغول بغداد، ثم انتهى الأمر بكثير منهم إلى الإسلام، وأصبحوا حماة له. وانتصر العرب في القادسية، ثم وجدوا أنفسهم يتعلمون من الفرس فنون الإدارة، ونظام الدواوين، وأساليب الدولة، وعلوم الطب، وتجارب العمران. هكذا تعمل الحضارة. إنها لا تسير في خط مستقيم، بل في دوامة هائلة، يظن كل طرف أنه يسحب الآخر إليه، بينما الحقيقة أن الجميع يخرجون وقد تغيروا. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: ماذا أخذ العرب من الفرس؟ ولا: ماذا أخذ الفرس من العرب؟ بل: كيف استطاع الطرفان أن يصنعا معا حضارة لم تعد ملكا لأحد؟ لقد أصبحت بغداد عاصمة لا تستطيع أن تميز فيها أين يبدأ العقل العربي، وأين ينتهي العقل الفارسي. كانت أشبه بمجرة، لا يسأل فيها الضوء عن أصل النجمة التي ولد منها.

وهنا تكمن عظمة الإسلام التاريخية، لا لأنه ألغى القوميات، بل لأنه جعلها تتجاوز ضيقها. لم يطلب من الفارسي أن يتوقف عن كونه فارسيا، ولا من الكردي أن ينسى جباله، ولا من الأمازيغي أن يمحو ذاكرته، بل نقل الولاء من العصبية الضيقة إلى أفق حضاري أوسع، مع بقاء اللغات والعادات والثقافات في صور متعددة عبر العصور. ومن هنا فإن تصوير الفتح الإسلامي على أنه آلة لسحق الهويات ليس قراءة للتاريخ، بل إسقاط لمفاهيم قومية حديثة على عالم كانت قوانينه مختلفة. وفي المقابل، فإن تصويره على أنه تاريخ بلا صراعات ولا أخطاء هو أيضا تبسيط لا يصمد أمام الوقائع. التاريخ أوسع من المدائح، وأذكى من الشتائم. أما الحقيقة، فهي أن فارس لم تمت في القادسية، كما لم يمت العرب في اجتياح المغول، وكما لم تمت مصر تحت الرومان، ولا الأندلس بعد سقوط غرناطة. الأمم الكبرى لا تموت حين تخسر معركة، بل تموت حين تفقد قدرتها على الإبداع. وفارس لم تفقد تلك القدرة قط. لقد خرجت من رحم الفتح لا شبح أمة مسحوقة، بل شريك كامل في صناعة واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها الإنسان. وحين ننظر اليوم إلى تراث الإسلام، فإننا لا نستطيع أن نفصل فيه بين يد عربية كتبت، وعقل فارسي نظم، وروح تركية حمت، وعبقرية أمازيغية عمرت، لأن الحضارة، حين تبلغ ذروتها، تتوقف عن السؤال: من أين جئت؟ وتبدأ في طرح السؤال الوحيد الذي يستحق أن يخلد: ماذا أضفت إلى الإنسان؟
📲 Partager sur WhatsApp