البرق الذي يختار إنسانا أمام حرب تختار الجميع

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك فرق هائل بين برق ينزل من السماء، ونار يصنعها الإنسان بيديه. الأول لا يحمل ضغينة، ولا يعرف اسما، ولا يفرق بين راع وملك، ولا يقرأ خرائط السياسة، ولا ينتمي إلى جيش أو عقيدة. إنه طاقة عمياء، تعمل وفق قوانين الطبيعة التي لا تعرف الانتقام ولا الرحمة. أما الثانية، فهي برق تعلم الكراهية، وارتدى الوعي، وحفظ أسماء ضحاياه قبل أن يولد الدخان. ومن هنا تبدأ الحكاية. حين أصابت صاعقة شابين كانا يعبران الجبل، لم يكن الجبل عدوا لهما، ولم تكن السماء قد استيقظت وفي قلبها رغبة في القتل. لقد التقت ملايين الشروط الفيزيائية في لحظة واحدة، كما تتلاقى أنهار بعيدة عند مصب لا يعرفه أحد. تراكمت الشحنات داخل السحاب، واشتد الفرق الكهربائي بين السماء والأرض، ثم وجد البرق مسارا أقل مقاومة، فانفجر الضوء بسرعة تكاد تسبق خيال الإنسان، واندفعت طاقة هائلة في جزء من الثانية، حتى بدا وكأنّ الكون كتب جملة كاملة بحرف واحد من النار.

إنّ البرق ليس سهما تصوبه السماء نحو شخص بعينه. إنه حل لمعادلة. لكن المعادلات نفسها تمتلك شعرا لا يراه إلا من ينصت إلى العلم كما ينصت إلى قصيدة. كل قطرة مطر تحمل نظاما، وكل غيمة تخفي هندسة، وكل ومضة برق ليست نزوة، بل نتيجة سلسلة طويلة من الاحتمالات. الفيزياء لا تعرف المصادفة المطلقة، لكنها أيضا لا تمنح الإنسان يقينا مطلقا. إنها تعلمنا أن العالم لا يسير فوق قضبان مستقيمة، بل فوق شبكة مذهلة من الإمكانات. وهنا يكمن الدرس الذي يتجاوز الجبل. الإنسان عاش آلاف السنين وهو يظن أن الخطر يقيم في الوحوش، ثم اكتشف أنه يقيم في الجراثيم. وظن أنه انتصر على الطبيعة، فإذا بالطبيعة تذكره بين حين وآخر بأن الكون لا يعترف بغرور الكائنات.

ومع ذلك، فإنّ احتمال أن يصيب البرق إنسانا يظل ضئيلا للغاية مقارنة بعدد البشر، وبعدد العواصف التي تمر كل عام. إن الطبيعة، على عنفها أحيانا، ليست آلة متعطشة للدم. ولهذا استطاع العلم أن يقلل المخاطر عبر فهم سلوك العواصف، وتحديد مواطن الخطر، ووضع قواعد للوقاية. المعرفة لا تلغي البرق، لكنها تقلل فرص أن يتحول إلى مأساة. غير أن السؤال الذي يربك الضمير ليس: كم شخصا يقتله البرق؟ بل: لماذا نرتعب من صاعقة نادرة، بينما اعتدنا نشرات الأخبار التي تعلن كل يوم عن عشرات ومئات من القتلى في الحروب والمجاعات وكأنها نشرة طقس؟ أي مفارقة هذه؟ حين تقتل الطبيعة إنسانا، تتسابق الكاميرات، وتكتب الصحف عن غرابة الحدث، لأن الطبيعة لا تكرر ذلك كثيرا. أما حين يقتل الإنسان أخاه الإنسان، فإن الخبر يتراكم فوق خبر، حتى يصبح الموت رقما، والرقم عادة، والعادة صمتا.

لقد صار البرق, قارئي العزيز, أكثر براءة من كثير من الأسلحة. البرق لا يطور نفسه في مختبرات، ولا ينتظر ميزانيات، ولا يعقد مؤتمرات، ولا يوقع عقودا، ولا يحتاج إلى مصانع تصقل معدنه. إنه ينتهي بعد ومضة، ثم يعود الكون إلى سكينته. أما الحروب، فهي صواعق لا تنطفئ. برق طويل يتعلم كيف يطيل عمره، وكيف ينتقل من السماء إلى المصانع، ومن الغيمة إلى شاشة الحاسوب، ومن الرعد إلى قرار سياسي، حتى أصبح الإنسان يصنع عواصفه بنفسه، ثم يقف مذهولا أمام الخراب الذي أنتجه. إن الاحتمال، في الرياضيات، ليس تنبؤا بالمصير، بل قياس لفرصة وقوع حدث. لكنه في الفلسفة يصبح مرآة تكشف هشاشتنا. فنحن نعيش داخل محيط من الاحتمالات، ومع ذلك نبني حياتنا كما لو أن الغد وعد موقع من الكون. نخرج من بيوتنا لأنّ احتمال الوصول أكبر من احتمال الحادث. نزرع لأنّ احتمال الحصاد أكبر من احتمال الجفاف. نحب لأنّ احتمال الفرح أكبر من احتمال الفقد.

الحياة نفسها ليست سوى رهان يومي على الاحتمال. لكنّ الحضارة الحديثة ارتكبت خطأ خفيا. لقد تعلمت كيف تحسب احتمالات الصّواعق، والزلازل، والفيضانات، والأوبئة، بينما ما زالت تفشل في تقليل احتمال الحرب، وهو الخطر الوحيد الذي لا يولد من الطبيعة، بل من الإرادة البشرية. إن العلم يقيس فرق الجهد بين السحاب والأرض، لكنه لا يستطيع أن يقيس فرق الجهد بين الكراهية والضمير. يعرف سرعة التفريغ الكهربائي، لكنّه لا يعرف لماذا يصر الإنسان على اختراع وسائل جديدة لتفريغ غضبه في أجساد الآخرين. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. الصاعقة لا تحمل نية. أما الصاروخ فيحملها. الرعد لا يعرف اسم الضحية. أما الحرب فتكتبه في ملفاتها. البرق يضرب لأن قوانين الفيزياء اكتملت. أما الإنسان فيضرب لأن شيئا في أخلاقه انهار.

ولعلّ أعظم إنجاز ينتظر البشرية ليس أن تبتكر مانعات صواعق أعلى، ولا أن تتنبأ بالعواصف قبل ساعات، بل أن تبني مانعات صواعق أخلاقية، توقف الشحنة التي تتجمع في النفوس قبل أن تتحول إلى نار تأكل المدن. فالكون، على اتساعه، لا يقتلنا إلا نادرا. أما نحن، فقد تعلمنا أن نحول الاحتمال النادر إلى يقين يومي. ويا للمفارقة الموجعة… إن السماء، التي اتهمها الإنسان منذ فجر التاريخ بالغضب، تبدو اليوم أكثر رحمة من الأرض التي يديرها الإنسان نفسه. ففي ومضة البرق درس في الفيزياء، أما في ومضة القذيفة فهناك درس أكثر قسوة: أنّ أخطر طاقة في العالم ليست الكهرباء التي تنزل من الغيوم، بل الكراهية حين تجد طريقها إلى العقل، فتغدو صاعقة لا تبحث عن المسار الأقل مقاومة، بل عن القلب الأكثر هشاشة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *