الفصل الثاني: من الدفاع عن المصالح الوطنية إلى صناعة النفوذ الدولي

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

عندما تُدرس تحولات السياسة الخارجية المغربية خلال العقود الأخيرة، فإن أهم ما يلفت الانتباه ليس فقط طبيعة المواقف التي اتخذتها المملكة، وإنما المنهج الذي حكم بناء تلك المواقف. فالدبلوماسيةليست بعدد البيانات أو الاتفاقيات، بل بقدرتها على تحويل التحولات الدولية إلى فرص استراتيجية، وعلى الانتقال من موقع الدفاع عن المصالح إلى موقع صناعة التأثير. وفي هذا السياق، تمثل التجربة المغربية نموذجاً لدولة اختارت بناء نفوذها تدريجيا عبر مزيج من الواقعية السياسية، والاستثمار في الشراكات، وتوظيف الموقع الجغرافي، وربط السياسة الخارجية بمشاريع التنمية الاقتصادية. لقد انتقلت المملكة خلال العقود الماضية من مرحلة كان فيها جزء كبير من جهدها الدبلوماسي موجها نحو شرح مواقفها والدفاع عن قضاياها الوطنية، إلى مرحلة أصبحت فيها تعمل على بناء منظومة علاقات تجعل مصالحها جزءا من حسابات القوى الدولية الكبرى. وهذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة تراكم طويل في الرؤية والأدوات.

أولا: مفهوم جديد للدبلوماسية…الجغرافيا كرأس مال سياسي

تاريخيا، كانت الجغرافيا عاملا ثابتا في قوة الدول أو ضعفها. لكن الدول الذكية لا تكتفي بامتلاك موقع جغرافي مهم، بل تعرف كيف تحوله إلى نفوذ سياسي واقتصادي. والمغرب يمتلك موقعا استثنائيا:

– بوابة شمالية للقارة الإفريقية.

– نقطة التقاء بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط.

– أقرب نقطة جغرافية إلى أوروبا من القارة الإفريقية.

– فضاء يربط الأسواق الأوروبية بالإفريقية والأمريكية.

لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع النفوذ. ما يصنع النفوذ هو القدرة على تحويل هذا الموقع إلى قيمة استراتيجية. وهذا ما عمل عليه المغرب عبر تطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتوسيع شبكة الاتفاقيات التجارية، وجعل المملكة منصة صناعية ولوجستية تربط بين القارات. فميناء طنجة المتوسط، على سبيل المثال، لم يعد مجرد مشروع نقل، بل أصبح أداة من أدوات السياسة الجيو-اقتصادية، لأنه يعيد تعريف موقع المغرب داخل سلاسل الإنتاج العالمية.

ثانيا: من دبلوماسية المواقف إلى دبلوماسية المبادرات

أحد أبرز التحولات في السياسة الخارجية المغربية هو الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة. فالدول التي تمتلك تأثيراً دولياً لا تنتظر فقط مواقف الآخرين، بل تقدم تصورات وحلولا. وفي هذا الإطار، عمل المغرب على تقديم نفسه كفاعل يساهم في معالجة عدد من القضايا الإقليمية:

– الأمن في منطقة الساحل.

– مكافحة التطرف والإرهاب.

– الهجرة المنظمة.

– الأمن الغذائي.

– التعاون الديني.

– التنمية الإفريقية.

وقد سمح ذلك للمملكة ببناء صورة دولية تقوم على الاستقرار والوساطة والتعاون. فالنفوذ في القرن الحادي والعشرين لم يعد قائماً فقط على القوة العسكرية، بل على القدرة على أن تصبح الدولة شريكا ضروريا في حل الأزمات.

ثالثا: قضية الصحراء… من معركة دبلوماسية إلى تحول في موازين الاعتراف الدولي

تظل قضية الصحراء المغربية المحور المركزي في العقيدة الدبلوماسية للمملكة، باعتبارها قضية مرتبطة بالسيادة والوحدة الترابية. لكن التحول الأساسي خلال السنوات الأخيرة تمثل في انتقال الملف من مرحلة كانت فيها الرباط تركز على شرح موقفها، إلى مرحلة أصبحت فيها تعمل على إعادة تشكيل البيئة الدولية المحيطة بالقضية. ويظهر ذلك من خلال عدة عناصر:

– توسع دائرة الدول التي تعبر عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي.

– افتتاح عدد متزايد من القنصليات في الأقاليم الجنوبية.

– تنامي الاعتراف بأهمية الاستقرار والتنمية في المنطقة.

– تحول الأقاليم الجنوبية إلى فضاء اقتصادي مرتبط بمشاريع كبرى في الطاقة واللوجستيك.

أما الموقف الفرنسي الجديد، فيكتسب أهميته من وزن فرنسا داخل النظام الدولي، باعتبارها عضواً دائما في مجلس الأمن وقوة أوروبية رئيسية. لكن الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقف لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه يعكس تحولا في قراءة عدد من العواصم الغربية لطبيعة النزاع، حيث أصبح عامل الواقعية والاستقرار الإقليمي أكثر حضوراً في تقييم الملفات الدولية.

رابعا: إفريقيا… الرهان الأكبر للدبلوماسية الملكية

ربما كان القرار الأكثر تأثيرا في إعادة تعريف موقع المغرب الدولي هو تعزيز العودة إلى إفريقيا. فالرباط لم تتعامل مع القارة باعتبارها مجالا للمساعدات أو النفوذ الرمزي، بل باعتبارها فضاء للمصالح المشتركة والاستثمار طويل الأمد. لقد تبنى المغرب نموذجا يقوم على:

– الاستثمار البنكي.

– تطوير شبكات الاتصالات.

– دعم المشاريع الفلاحية.

– الاستثمار في الطاقات المتجددة.

– تكوين الأطر الإفريقية.

– تعزيز الربط البحري والجوي.

وهنا يكمن الفرق بين النفوذ التقليدي والنفوذ الجديد. فالنفوذ القديم كان يقوم على السيطرة أو التبعية، أما النفوذ الحديث فيقوم على خلق مصالح تجعل الشراكة متبادلة. وهذا ما جعل العديد من الدول الإفريقية تنظر إلى المغرب باعتباره شريكا اقتصاديا وليس فقط دولة ذات علاقات تاريخية.

خامسا: القوة الناعمة المغربية… الدين والثقافة والهوية

لا تعتمد الدبلوماسية الحديثة على الاقتصاد والسياسة فقط، بل على القدرة على بناء صورة إيجابية للدولة. وفي هذا المجال، وظف المغرب عددا من عناصر القوة الناعمة:

– النموذج الديني القائم على الاعتدال.

– الروابط الثقافية والتاريخية مع إفريقيا.

– الجالية المغربية في الخارج.

– الفنون والثقافة.

– الخبرة في مجالات التكوين والتعليم.

هذه العناصر منحت المملكة قدرة على بناء جسور تتجاوز الحكومات، لتصل إلى المجتمعات والمؤسسات.

سادسا: لماذا تنجح الدبلوماسية الملكية في جذب شركاء متنوعين؟

السبب الرئيسي هو أنها تجمع بين ثلاث معادلات صعبة:

1- الثبات في المبادئ

المغرب يحافظ على ثوابت واضحة في قضاياه الأساسية.

2-المرونة في الوسائل

في الوقت نفسه، يعتمد لغة الحوار والانفتاح وتعدد الشركاء.

3- البراغماتية الاقتصادية

فالعلاقات الدولية في العصر الحديث لا تبنى فقط على التقارب السياسي، بل على المصالح المتبادلة. وهذا التوازن هو الذي سمح للمغرب بالحفاظ على علاقاته مع قوى مختلفة رغم التوترات الدولية الكبرى.

إن قراءة مسار الدبلوماسية المغربية تكشف أن المملكة لم تعد تكتفي بالدفاع عن موقعها داخل النظام الدولي، بل أصبحت تعمل على التأثير في قواعده الإقليمية. فالقوة المغربية اليوم لا تقوم على الحجم فقط، بل على القدرة على بناء الشراكات، وتوظيف الموقع، وتحويل الاستقرار إلى قيمة سياسية واقتصادية. ومن هنا يمكن فهم الاتفاقيات الجديدة مع فرنسا باعتبارها نتيجة طبيعية لمسار طويل من بناء الثقة والنفوذ، وليست حدثا منفصلا عن استراتيجية أوسع هدفها ترسيخ المغرب كفاعل إقليمي ودولي مؤثر.

يتبع في الفصل الثالث:

“الصحراء المغربية في قلب التحول الجيوسياسي: لماذا أصبح الملف عنوانا لإعادة ترتيب التحالفات الدولية؟”

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *