بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
الفصل الأول: من شراكة تاريخية إلى تحالف المصالح الاستراتيجية
في لحظات التحول الكبرى في تاريخ العلاقات الدولية، لا تكون الاتفاقيات مجرد وثائق موقعة بين حكومات، بل تصبح مؤشرات على انتقال أعمق في طبيعة النظام الإقليمي والدولي. ومن هذا المنظور، فإن الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغربي الفرنسي، وما رافقها من توقيع أربعة عشر اتفاقية تعاون في مجالات متعددة، تمثل أكثر من محطة جديدة في مسار العلاقات الثنائية؛ إنها تعكس إعادة تعريف لموقع كل من المغرب وفرنسا داخل بيئة جيوسياسية تشهد تغيرات متسارعة. فالعالم اليوم لم يعد يعيش مرحلة الهيمنة الأحادية التي ميزت العقود الأولى بعد نهاية الحرب الباردة، بل دخل مرحلة تنافسية تتعدد فيها مراكز القوة، وتتداخل فيها اعتبارات الاقتصاد بالأمن، والطاقة بالتكنولوجيا، والتنمية بالاستقرار السياسي. وفي هذا السياق، أصبحت الدول التي تمتلك موقعا جغرافيا استراتيجيا، واستقرارا مؤسساتيا، وشبكة علاقات متعددة، قادرة على لعب أدوار تتجاوز حجمها الجغرافي أو الديمغرافي.
ويبرز المغرب ضمن هذه الفئة من الدول التي استطاعت خلال العقود الأخيرة بناء موقع خاص داخل المعادلة الدولية؛ فهو بلد يقع عند ملتقى أوروبا وإفريقيا والعالم الأطلسي، ويطل على أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم، ويمتلك شبكة متنامية من الشراكات الاقتصادية والسياسية، ويقدم نفسه باعتباره منصة للاستقرار والتعاون في منطقة تعاني من أزمات متعددة. أما فرنسا، فإنها تواجه بدورها مرحلة إعادة تقييم لدورها الخارجي، خصوصا في إفريقيا، حيث تراجعت الصيغ التقليدية للعلاقة مع عدد من الدول الإفريقية، وبرزت حاجة أوروبية متزايدة إلى بناء شراكات جديدة تقوم على الندية والمصالح المشتركة. وفي هذا الإطار، يظهر المغرب كشريك مختلف: دولة إفريقية ذات علاقات تاريخية مع أوروبا، وفاعل إقليمي قادر على الجمع بين العمق الإفريقي والانتماء المتوسطي.

أولا: نهاية مرحلة وبداية أخرى
العلاقات المغربية الفرنسية تمتلك جذورا تاريخية عميقة، لكنها لم تكن دائما خالية من التوترات. فقد مرت خلال السنوات الماضية بفترات من البرود الدبلوماسي نتيجة اختلافات حول عدد من الملفات، من بينها قضايا مرتبطة بالتأشيرات، والتعاون الأمني، وبعض التصورات المتباينة حول قضايا إقليمية. غير أن التحول الذي حدث مؤخرا يكشف أن الطرفين توصلا إلى استنتاج استراتيجي مفاده أن حجم التحديات المشتركة أكبر من الخلافات الظرفية. فبالنسبة إلى فرنسا، أصبح المغرب يمثل شريكاً لا يمكن تجاوزه في ملفات:
– أمن المتوسط.
– مكافحة الإرهاب.
– الهجرة.
– أمن الطاقة.
– الاستثمار في إفريقيا.
– سلاسل الإمداد العالمية.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن فرنسا تمثل قوة أوروبية كبرى، وعضواً دائماً في مجلس الأمن، وفاعلا مؤثرا داخل الاتحاد الأوروبي، كما أنها شريك اقتصادي وتكنولوجي وتاريخي مهم. وهكذا انتقلت العلاقة من منطق “إدارة الملفات” إلى منطق “بناء المصالح”.
ثانيا: المغرب والتحول من دولة إقليمية إلى قوة متوسطة
في أدبيات العلاقات الدولية، لا تقاس قوة الدول فقط بحجم اقتصادها أو جيشها، بل بقدرتها على التأثير، وبناء التحالفات، وتقديم نفسها كطرف لا غنى عنه في المعادلات الإقليمية. وهذا ما يفسر صعود مفهوم “القوة المتوسطة” (Middle Power)، وهي الدول التي لا تنتمي إلى دائرة القوى العظمى، لكنها تمتلك أدوات تسمح لها بالتأثير في محيطها. ويمكن قراءة التجربة المغربية ضمن هذا الإطار. فخلال السنوات الماضية، لم يعتمد المغرب على التحالف مع طرف واحد، بل بنى شبكة علاقات واسعة:
– شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة.
– تعاون متقدم مع الاتحاد الأوروبي.
– علاقات اقتصادية متنامية مع الصين والهند.
– حضور اقتصادي واسع في إفريقيا.
– تعاون متزايد مع دول الخليج.
هذه السياسة منحت المغرب هامشا واسعا من الاستقلالية، وجعلت شركاءه ينظرون إليه باعتباره دولة ذات وزن يتجاوز حدودها الجغرافية.
ثالثا: الدبلوماسية الملكية ومنطق التراكم الاستراتيجي
لفهم التحول في موقع المغرب الدولي، لا بد من التوقف عند طبيعة الدبلوماسية التي تم اعتمادها خلال عهد الملك محمد السادس. فالدبلوماسية المغربية خلال العقدين الأخيرين لم تعتمد على ردود الفعل، بل على بناء مسارات طويلة الأمد. ومن أبرز سماتها:
1- ربط السياسة الخارجية بالتنمية الاقتصادية
لم يعد الاقتصاد مجرد نتيجة للسياسة الخارجية، بل أصبح أداة لصناعتها. فالمغرب لم يكتفِ بالدفاع عن مصالحه السياسية، بل عمل على خلق مصالح اقتصادية تجعل الشراكة معه ذات قيمة بالنسبة للآخرين.
2- العودة القوية إلى إفريقيا
شكل القرار المغربي بتعزيز حضوره الإفريقي أحد أهم التحولات الاستراتيجية. فمن خلال الاستثمارات البنكية والاتصالات والطاقة والبنية التحتية والتكوين، أصبح المغرب أحد الفاعلين الاقتصاديين الأفارقة الأكثر حضورا في غرب القارة. وهذا الحضور منح المملكة موقعا تفاوضيا جديدا، لأنها لم تعد تتحدث عن إفريقيا من موقع المراقب، بل من موقع الفاعل.
3- سياسة تنويع الشركاء
أحد عناصر القوة في السياسة الخارجية المغربية هو عدم الارتهان إلى شريك واحد. فالمملكة حافظت على علاقاتها مع الغرب، وانفتحت على الشرق، وعززت حضورها الإفريقي، ما منحها قدرة أكبر على المناورة في عالم يعرف صراعات نفوذ متزايدة.
رابعا: لماذا أصبحت إفريقيا محورا للشراكة المغربية الفرنسية؟
الجواب يكمن في التحولات العميقة التي تعرفها القارة. إفريقيا لم تعد مجرد فضاء للمساعدات الدولية، بل أصبحت إحدى ساحات المنافسة العالمية بسبب:
– الموارد الطبيعية.
– الأسواق المستقبلية.
– الموقع الجغرافي.
– الطاقات المتجددة.
– الشباب والديمغرافيا.
وتدرك فرنسا أن مستقبل حضورها في إفريقيا لن يبنى بالأساليب القديمة، بل عبر شراكات جديدة. كما يدرك المغرب أن دوره الإفريقي يمكن أن يتعزز أكثر من خلال شراكات دولية كبرى توفر التكنولوجيا والاستثمار والخبرة. ومن هنا تتقاطع مصالح البلدين. فالمغرب يقدم:
– المعرفة المحلية.
– العلاقات الإفريقية.
– الاستقرار السياسي.
– الموقع الجغرافي.
وفرنسا تقدم:
– القدرات المالية.
– التكنولوجيا.
– الخبرة الصناعية.
– النفوذ الأوروبي.
وهذا التقاطع يمكن أن ينتج نموذجا جديدا للتعاون في القارة. إن الاتفاقيات المغربية الفرنسية الجديدة ليست مجرد تحديث لعلاقة تاريخية، بل تعبير عن تحول في الحسابات الاستراتيجية للطرفين. فالمغرب يريد تثبيت موقعه كقوة إقليمية صاعدة، وفرنسا تبحث عن شريك قادر على مساعدتها في إعادة صياغة حضورها في إفريقيا والمتوسط. وبين الطرفين تتشكل معادلة جديدة عنوانها: المصالح المشتركة، الاستقرار الإقليمي، والشراكة بدل التبعية.
يتبع في الفصل الثاني:
“الدبلوماسية الملكية المغربية… من الدفاع عن المصالح الوطنية إلى صناعة النفوذ الدولي”.

مقال جامع لمختلف أبعاد ودلالات هذا الانفتاح المتبادل المغرب/افريقيا وفرنسا.