القمر الأحمر: إسم في الذاكرة

بقلم عبد الله شوكاكاتب وصحافي – المغرب

لا يحيل عنوان “القمر الأحمر” إلى ذلك المشهد الآسر لقمر يتوشح بحمرة الشفق في كبد السماء، بقدر ما يستدعي إلى الذاكرة إحدى أروع السمفونيات الغنائية التي أبدعها موسيقار مغربي استثنائي، استطاع أن يخلّد اسمه في سجل الفن العربي بأحرف من نور. إنها رائعة “القمر الأحمر”، إحدى روائع الملحن العبقري عبد السلام عامر، الذي منح عشاق الطرب الأصيل ألحانًا خالدة ما تزال تتردد في الوجدان قبل الآذان. وأنت تنصت إلى تلك الألحان الشجية، لا يسعك إلا أن تتساءل بإعجاب: كيف استطاع موسيقار فقد نعمة البصر أن يبصر ببصيرته عوالم موسيقية لم يدركها كثيرون ممن امتلكوا نعمة النظر؟ لقد كان عبد السلام عامر حالة فنية نادرة، وموهبة استثنائية تجاوزت حدود الإعاقة، لتثبت أن الإبداع الحقيقي يولد من صفاء الروح وثراء الخيال.

كان ذلك زمن الستينيات والسبعينيات، العصر الذهبي للفن المغربي، وزمن الثنائيات التي صنعت ذاكرة أجيال كاملة، قبل أن تنطوي صفحتها بلا رجعة. كان زمن الثنائية الكروية الشهيرة بين فرس واعسيلة، وزمن الشراكة الفنية الفريدة بين عبد السلام عامر والشاعر عبد الرفيع الجواهري، حيث التقت الكلمة الرفيعة باللحن المرهف، فأنجبت أعمالًا خالدة. كما كان زمن الثنائي الفكاهي قشبل وزروال، وثنائية الداسوكين والزعري التي رسمت البسمة على وجوه المغاربة، وثنائية أحمد بزيز وباز التي سخّرت المسرح لخدمة النقد السياسي والاجتماعي بلغة راقية وذكية.

ورغم مرور عقود على رحيل عبد السلام عامر، فإن ألحانه ما تزال تنبض بالحياة، وكأن الزمن عجز عن أن ينتزع منها بريقها. ومن بين ما خلفه من روائع خالدة: القمر الأحمر، الشاطئ، الأمس القريب، نسبق النور، وميعاد، وهي أعمال أداها بإبداع الفنان الراحل عبد الهادي بلخياط. كما أهدى إلى صوت محمد الحياني روائع لا تزال حاضرة في الذاكرة، من بينها راحلة، قصة الأشواق، وغنت لنا الدنيا، فيما ازدانت مسيرة عبد الوهاب الدكالي بأعمال خالدة، من أبرزها آخر آه وحبيبتي. لم تكن ألحان عبد السلام عامر مجرد أعمال موسيقية ناجحة، بل كانت مدرسة فنية قائمة بذاتها، حملت خصوصية الهوية المغربية، ونجحت في أن تعبر الحدود، فتستقطب إعجاب كبار الموسيقيين في الوطن العربي. وقد حظي بإشادة الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، كما نال تقدير عبد الحليم حافظ، الذي رأى في ألحانه تجربة موسيقية متفردة تستحق الاحترام والإعجاب.

غير أن حياة المبدعين ليست دائما بما يحققونه من مجد فني، بل بما يكابدونه من محن إنسانية. فقد دخل عبد السلام عامر، عقب انقلاب الصخيرات في التاسع من يوليوز 1971، مرحلة عصيبة من حياته، بعدما وجد نفسه في قلب ظروف استثنائية، نُسبت إليه خلالها أقوال قيلت تحت وطأة الإكراه والخوف، وفي أجواء كان السلاح فيها أعلى صوتا من العقل، ولم يكن للرحمة موضع بين الانقلابيين. وقد تركت تلك الأحداث آثارا نفسية عميقة، انعكست على حياته الشخصية ومسيرته الفنية، وفاقمت من معاناته المادية والإنسانية.

ورحل عبد السلام عامر، وفي قلبه غصة لم تمحها سنوات العطاء، لكنه ترك للأجيال إرثا موسيقيا خالدا، سيظل شاهدا على عبقرية فنان استثنائي، استطاع أن يحول الألم إلى جمال، والصمت إلى أنغام، والظلام إلى ضياء. وما دامت الموسيقى لغة لا تعرف الموت، فإن اسم عبد السلام عامر سيبقى حاضرا في ذاكرة المغاربة والعرب، بوصفه أحد أعظم من أنجبتهم الموسيقى المغربية في القرن العشرين.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *