كيف أصبح السلام آخر فصول الحرب؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في كل مرة يعلن فيها رئيس أمريكي أن «المفاوضات تسير على نحو جيد»، ترتجف البورصات أكثر مما ترتجف الجبهات، ويصغي تجار النفط أكثر مما يصغي الجنود في الخنادق. لقد أصبح العالم يعرف أن السياسة الدولية لا تتكلم باللغة التي تنطق بها، بل باللغة التي تخفيها. فحين يبتسم السياسي، يبدأ الجنرال في مراجعة خرائطه، وحين يتحدث عن السلام، يفتح المستثمر شاشة أسعار الطاقة، وحين يصف المفاوضات بأنها «إيجابية»، يتساءل الفيلسوف: لمن تكون إيجابية؟ ولأي مستقبل؟

منذ أيام قليلة فقط، كانت السماء فوق الشرق الأوسط تشتعل بالصواريخ، وكانت الشاشات تتحدث عن احتمالات حرب إقليمية قد تغيّر وجه العالم. واليوم، يتحدث الجميع عن اجتماعات تقنية، ورسائل غير مباشرة، وأموال مجمدة، واتفاقات أولية، وابتسامات دبلوماسية. كأن الحرب لم تكن سوى عاصفة صيفية، أو مشهدًا تجريبيًا سبق العرض الحقيقي. لكن التاريخ يسخر من ذاكرتنا القصيرة. فالحروب الكبرى نادرًا ما تبدأ عندما يشتد الصراخ، بل تبدأ حين يخفت الضجيج، لأن أخطر القرارات لا تُتخذ تحت أضواء الكاميرات، وإنما في الغرف التي لا يدخلها المصورون.

لطالما تخيل الإنسان أن الحرب هي النقيض الطبيعي للسلام. غير أن التاريخ يروي حكاية مختلفة تماما. لم تكن الحرب يوما ضد السلام. بل كانت طريقا إليه. سلام المنتصر. وسلام الأسواق. وسلام الخرائط الجديدة. منذ أن كتب ثوسيديدس عن حرب البيلوبونيز، والعالم يتعلم الدرس نفسه ثم ينساه في كل جيل: الدول لا تتحرك بدافع الأخلاق وحدها، بل بدافع الخوف، والمصلحة، والرغبة في البقاء. أما الشعارات، فهي الثياب الرسمية التي ترتديها المصالح عندما تخرج إلى الجمهور.

يبدو دونالد ترامب، للوهلة الأولى، رجلًا خارج كتب الفلسفة. لكنه، على نحو يثير الدهشة، أقرب إلى نيقولا ميكافيلي مما يظن كثيرون. فهو لا يحب السياسة بوصفها فنّا للمبادئ، بل بوصفها فنّا للصفقات.ة العالم بالنسبة إليه ليس مسرحًا للأيديولوجيات، بل سوقا ضخمة، لكل شيء فيها ثمن، حتى الخصومات. وفي منطقها تقاس قيمة الاتفاق بما يمنحه من مكسب يمكن عرضه أمام الناخبين والأسواق في آن واحد. لهذا يستطيع أن يهدد إيران في الصباح، ثم يمتدح «التقدم الكبير» في المفاوضات مساء، دون أن يشعر بأنه يناقض نفسه. لأن الصفقة، في عالم المال، لا تبنى على العواطف، بل على تحسين شروط التفاوض.

أما إيران، فهي ليست الدولة التي يراها خصومها، ولا الدولة التي يراها أنصارها. إنها كائن سياسي تشكّل عبر قرون من الإمبراطوريات، والثورات، والعقوبات، والحصار، والذاكرة المثقلة بالتدخلات الأجنبية. لهذا لا تتفاوض إيران كما تتفاوض الدول الصغيرة. إنّها تتفاوض كما لو أنّ التاريخ يجلس إلى الطاولة معها. تعرف أنّ الزمن قد يكون سلاحا. وأنّ التأجيل قد يحقق أحيانا ما لا تحققه المدافع. وأن الصّبر، في الشرق، ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل تقنية سياسية متقنة. لكن المشهد كله يخفي مفارقة أكثر عمقا. فنحن نظن أن المفاوضات تدور حول تخصيب اليورانيوم. بينما الحقيقة أن اليورانيوم ليس سوى عنوان.

أما النص الحقيقي، فهو الاقتصاد. إن العقوبات الاقتصادية لم تعد مجرد وسيلة ضغط، بل أصبحت صناعة عالمية. لها مؤسسات، وخبراء، وشركات، ومصارف، ومكاتب محاماة، وأسواق سوداء، وشبكات التفاف، وموازنات كاملة. لقد تحولت العقوبة إلى اقتصاد مواز. وصار رفعها أو تشديدها حدثا ماليا قبل أن يكون حدثا سياسيا. ولهذا لا يتابع المستثمرون أخبار الحرب بدافع الفضول، بل لأن سعر برميل النفط قد يقرر مصير مليارات الدولارات خلال ساعات.

لقد أصبحت الأسواق تترجم الصواريخ إلى أرقام. وترجم السياسة إلى منحنيات. وترجم الخوف إلى أرباح. كان أفلاطون يحلم بمدينة يحكمها الفلاسفة. أما القرن الحادي والعشرون، فيبدو وكأنه بنى مدينة يحكمها المحللون الماليون. لم يعد السؤال: «هل الحرب عادلة؟» بل: «كيف ستتفاعل الأسواق معها؟» حتى الضحايا أصبحوا، في كثير من نشرات الأخبار، أرقاما هامشية بجوار أسعار الطاقة وأسهم شركات السلاح. وهنا يبلغ العصر ذروة مفارقته الأخلاقية. فالإنسان الذي كان يُفترض أن يكون غاية السياسة، أصبح أحيانا مجرد متغير في معادلة اقتصادية.

وربما لهذا السبب تبدو مفاوضات اليوم أقل شبها بمؤتمرات السلام القديمة، وأكثر شبها بإدارة المخاطر. إنها لا تبحث عن إنهاء الصراع بقدر ما تبحث عن إبقائه تحت السيطرة. فالعالم الحديث لا يخاف من الحروب الصغيرة. إنّه يخاف من الحرب التي لا يمكن حساب كلفتها. ولهذا يتفاوض الجميع، لا لأنهم أحبوا السلام فجأة، بل لأن الفوضى الكاملة لا تحقق ربحا لأحد. وهكذا، تتحول الدبلوماسية إلى علم دقيق لإدارة الاحتمالات، لا لإلغاء أسبابها. ولعل هذا هو الوجه الأكثر غرابة في عصرنا: لم تعد الإنسانية تبحث دائمًا عن عالم بلا حروب، بل عن عالم تستطيع فيه الحروب أن تبقى ضمن الحدود التي لا تربك الأسواق. وعند هذه النقطة تحديدا، يلتقي الفيلسوف مع الاقتصادي، ويجلس الجنرال إلى جوار المصرفي، ويصبح السؤال الحقيقي ليس: من سيربح الحرب؟ بل: من يملك الحق في تحديد اللحظة التي تنتهي فيها؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *