الكيروسين واختناق السوق العالمية

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الظاهر، يبدو الخبر تقنيا: شركة Air France-KLM تطمئن إلى وفرة الكيروسين حتى يونيو، رغم بلوغ النفط 125 دولارا للبرميل في ظل توتر متصاعد حول إيران. لكن في العمق، نحن أمام مشهد أكثر تعقيدا: الاقتصاد العالمي لا يعيش أزمة طاقة… بل يعيش إدارة أزمة، تستخدم فيها الطاقة كسلاح ناعم لإعادة رسم موازين القوة. اللافت هنا ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل تفاوت الإحساس بالأزمة: أوروبا مطمئنة نسبيا، آسيا حذرة، وشركات الطيران تتحرك داخل هوامش ضيقة بين الكلفة والسيادة. هذه ليست صدفة، بل نتيجة هندسة دقيقة لما يمكن تسميته: جيو-اقتصاد الاختناق التدريجي.

منذ سنوات، لم يعد النفط مجرد سلعة. لقد أصبح مصفوفة قرار تتحكم في سلاسل الإمداد، وحركة الطيران، وحتى في إيقاع النمو العالمي. هنا يظهر التحول الأهم: الولايات المتحدة، خاصة خلال مرحلة ترامب، لم تكتف باستخدام العقوبات كأداة ردع، بل أعادت تعريفها كوسيلة لإعادة ترتيب السوق العالمية. ما الذي تغيّر؟

– لم تعد العقوبات تستهدف دولة فقط، بل تعيد توجيه التدفقات (نفط، غاز، كيروسين)

– لم يعد الهدف إضعاف الخصم فحسب، بل إجبار الحلفاء على التكيّف ضمن منظومة واحدة

– لم يعد السوق حرا بالكامل، بل مدارا عبر التوت

بمعنى آخر: الأزمة لم تعد خللا… بل أصبحت أداة ضبط. تصريحات Air France-KLM تعكس ثقة لافتة. والسبب ليس وفرة مطلقة، بل تنوع مصادر الإمداد:

– ارتباط مباشر بموانئ مثل لوهافر

– استيراد من النرويج وأمريكا الشمالية

– مخزونات استراتيجية أوروبية

هذا التنوع ليس مجرد حظ، بل نتيجة سنوات من إعادة التموضع بعد أزمات سابقة (أوكرانيا، الطاقة الروسية). لكن الأهم:
أوروبا اليوم جزء من شبكة إمداد مرتبطة بالمنظومة الأمريكية، سواء عبر الطاقة أو الأمن أو التمويل. بالتالي، هي ليست خارج الأزمة…بل داخل منطقة مُدارة منها.

على النقيض، ما يحدث في مطارات مثل سنغافورة وطوكيو ليس تفصيلا. عندما يُطلب من شركات الطيران عدم إضافة رحلات، فهذا يعني:

– ضغط على الإمدادات

– إدارة للطلب قبل انفجاره

– خوف من اختلال توازن السوق المحلي

آسيا هنا تكشف الهشاشة الحقيقية للنظام العالمي: المنطقة الأكثر نموا… هي نفسها الأكثر عرضة للاختناق اللوجستي.

حين يصل النفط إلى هذا المستوى، فالقضية ليست فقط تكلفة، بل إشارة. السعر هنا يقول:

– إن التوتر الجيوسياسي لم يعد هامشيا

– إن خطوط الإمداد أصبحت جزءا من الصراع

– إن الاقتصاد العالمي يدار على حافة التوازن، لا داخله

والأهم: أن هناك من يملك القدرة على رفع الكلفة دون قطع الإمداد. وهذا هو الشكل الأكثر تطورًا للهيمنة: أن تجعل الجميع يتنفس… لكن بصعوبة.

السؤال ليس إن كان ترامب قد فعل ذلك بشكل مباشر اليوم، بل إن كان قد وضع القواعد التي تسمح بذلك. الإجابة الأقرب: نعم، لكن بشكل غير خطي. سياساته في:

– تشديد العقوبات على إيران

– الضغط على سلاسل الطاقة

– إعادة التفاوض على موقع أمريكا كمُصدّر طاقي

كلها أسست لنظام يمكن فيه: التحكم في الإيقاع دون السيطرة الكاملة…والتأثير دون الظهور كفاعل مباشر. وهذا ما نراه اليوم: عالم لا يخنق مرة واحدة، بل يدار عبر اختناقات صغيرة، متزامنة، وذكية.

خبر الكيروسين ليس خبرا عن الطيران، بل عن شكل العالم الجديد:

– سلاسل إمداد مرنة ظاهريا، لكنها مقيدة استراتيجيا

– أسعار مرتفعة، لكنها مقبولة سياسيا

– أزمات جزئية، تمنع الانهيار… وتمنع الاستقرار الكامل

العالم اليوم لا يتجه نحو الانفجار، بل نحو حالة أكثر تعقيدا: توازن غير مريح… لكنه مدار بعناية. وفي هذا التوازن، لن تقطع الأنفاس دفعة واحدة، بل سيطلب من الجميع أن يتنفسوا… أقل قليلا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *