بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
هناك هزائم تولد في المستطيل الأخضر، وهناك هزائم أخطر بكثير تولد في العقول. الأولى لا تستغرق سوى تسعين دقيقة، ثم يطويها الحكم بصافرته، وتبتلعها ذاكرة الملاعب كما يبتلع البحر أثر السفن. أما الثانية، فإنها تعيش طويلا، تتغذى على الشائعات، وتتقوى بالخوف، وتتحول إلى عقيدة شعبية لا تحتاج إلى دليل، بل يكفيها أن تجد أذنا متعبة، وعقلا مستعدا لتصديق كل شيء إلا الحقيقة. ومنذ صافرة النهاية، خرجت علينا جوقات من محترفي الوهم، يفتشون في دهاليز السياسة عن هدفٍ لم يسجله أحد، ويحفرون في خرائط الدبلوماسية عن ركلة جزاء لم يحتسبها الحكم، ويرسمون المؤامرات على سبورة كرة القدم، وكأن العشب الأخضر تحول فجأة إلى قاعة لمجلس الأمن، أو إلى مائدة تفاوض بين الدول.
ما هذا العبث؟ من أقنع الناس بأنّ الكرة لم تعد كرة، وأن كل تمريرة تحمل رسالة استخباراتية، وكلّ تسلل تقف وراءه عواصم العالم، وكل هدف تصنعه غرف السياسة؟ لقد أصبح بعضنا يتعامل مع الهزيمة كما لو أنّها لا يمكن أن تقع إلا إذا اجتمعت عليها أجهزة المخابرات، وتحالفت عليها الحكومات، وتواطأت عليها الجغرافيا، وكأنّ المهارة، والإعداد، والإرهاق، والتوفيق، والحظ، لم تعد كلمات تنتمي إلى قاموس الرياضة. إنّها كرة القدم… لا أكثر. اللعبة الوحيدة التي تستطيع أن تجعل فريقا مغمورا يهزم بطل العالم، وأن تجعل مرشحا فوق العادة يغادر البطولة من الباب الضيق، وأن تجعل كرة ترتطم بالقائم سنتيمترا واحدا فتغيّر تاريخ أمّة كروية بأكملها.

لو كانت كرة القدم تدار بالمؤامرات، لما عرف العالم مفاجآت الرياضة، ولما سقطت إمبراطوريات كروية أمام منتخبات لا يملك لاعبوها حتى نصف قيمة نجوم الخصم في سوق الانتقالات. ولو كانت السياسة تتحكم في النتائج، لانتصرت القوى الكبرى دائما، ولما كتب التاريخ أسماء المنتخبات التي قلبت الموازين بإرادة اللاعبين لا بإرادة السياسيين. إنّ الاعتراف بقوة المنافس ليس هزيمة. بل هو أول انتصار للعقل. لقد واجه المنتخب المغربي منتخبا فرنسيا يُعدّ، باعتراف المختصين، واحدا من أقوى المنتخبات في العالم، ووريثا لمدرسة كروية صنعت أسماء خالدة، ويضم جيلا من اللاعبين الشباب يجمع بين السرعة والخبرة واللياقة والانضباط التكتيكي. فهل يصبح الاعتراف بهذه الحقيقة خيانة؟ وهل احترام المنافس ينتقص من وطنية أحد؟
على العكس. إنّ الأمم الواثقة بنفسها لا تخاف من قول الحقيقة، لأنها تعرف أن احترام الخصم لا يلغي الاعتزاز بالنفس، وأن التصفيق للفائز لا يعني التخلي عن الخاسر. لقد لعب أسود الأطلس كما تلعب الأسود حين تحاصرها السهول الواسعة. قاتلوا على كل كرة. ركضوا حتى استنفدوا آخر قطرة في الرّئتين. دافعوا بشرف. هاجموا بشجاعة. وسقطوا واقفين. ولم يكن في وجوههم انكسار المهزوم، بل إرهاق المحارب الذي استنفد كل ما يملك. وهل يلام المحارب لأنّه تعب؟ وهل يحاكم الرياضي لأنّه لم ينتصر في كل مباراة؟
إنّ كرة القدم ليست معادلة رياضية تضمن النتيجة، وليست نصا مقدّسا لا يقبل المفاجآت. إنّها خليط مدهش من الإعداد، والموهبة، والانضباط، والحالة البدنية، والحالة النفسية، وقرارات المدرّب، ولمسة الحظّ التي قد تغيّر مصير بطولة كاملة في ثانية واحدة. هذا هو جمالها. ولو كانت نتائجها محسومة قبل البداية، لما امتلأت الملاعب، ولا ارتجفت القلوب، ولا انتظر العالم صافرة النهاية. أما الزّج بالعلاقات المغربية الفرنسية في تفاصيل مباراة كرة قدم، فليس تحليلا سياسيا، بل هروب من التفكير. العلاقات بين الدول تبنى على المصالح، والاتفاقيات، والتاريخ، والدبلوماسية، لا على تسديدة علت العارضة، ولا على كرة اصطدمت بالعارضة، ولا على قرار تحكيمي يختلف حوله الناس.

إنّ خلط السياسة بالرياضة لا يخدم السياسة، ولا يحمي الرياضة، بل يسيء إليهما معا. ولقد قدّم المغرب، خلال العقد الأخير، درسا للعالم في معنى البناء الرياضي. فما حققه المنتخب الوطني لم يكن ومضة عابرة، ولا ضربة حظ، بل ثمرة سنوات من الاستثمار في التكوين، والبنية التحتية، والعمل المؤسسي، والإيمان بالشباب. لقد صار اسم المغرب يذكر بين كبار الكرة العالمية، وأصبح أسود الأطلس مصدر إلهام لملايين الأطفال في إفريقيا والعالم العربي، وهذا وحده إنجاز تاريخي لم تعرفه أجيال كثيرة سبقت. فكيف يتحول هذا المجد إلى مناسبة لبثّ اليأس؟ وكيف يصبح الإنجاز الوطني منصة لترويج أوهام المؤامرة؟
إنّ الأمم الكبيرة لا تقيس نفسها بمباراة واحدة، بل بمشروع كامل. والمغرب يملك مشروعا. ولهذا فإن الطريق لا ينتهي هنا. إنه يمتد إلى كأس العالم 2030، حيث سيكون للمغرب موعد جديد مع التاريخ، لا بعقلية الضّحية، بل بعقلية الصّانع. نحتاج اليوم إلى أن نربي أبناءنا على ثقافة المنافسة، لا على ثقافة الأعذار. على احترام المنتصر، لا على شيطنته. على تحليل الأخطاء، لا على اختراع المؤامرات. وعلى الإيمان بأنّ الخسارة ليست سقوطا، بل خطوة أخرى في طريق الصعود.
لهذا، نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل: شكرا للمنتخب الفرنسي على أدائه واستحقاقه. وشكرا، أكبر وأعمق، لأسود الأطلس الذين زأروا في الملاعب حتى سمع العالم صدى المغرب في كلّ القارات. لقد رفعوا العلم، ورفعوا الرأس، ورفعوا سقف أحلام أمّة عربية وإفريقية كاملة. أمّا الصخب الذي يصنعه تجار المؤامرات، فلن يغيّر نتيجة مباراة، ولن يضيف هدفًا إلى لوحة النتائج، ولن يكتب سطرا واحدا في تاريخ كرة القدم. التاريخ يكتبه اللاعبون بعرقهم. أما الشائعات، فتكتبها الأصابع المرتعشة على شاشات الهواتف، ثم تمحوها الأيام دون أن تترك لها أثرا. ويبقى المغرب… أكبر من مباراة، وأكبر من شائعة، وأكبر من كل هذا العبث.
📲 Partager sur WhatsApp