هل الهجرة هو الحصان الذي تراهن عليه لوبين؟

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء

في السياسة، تسير الشخصيات السياسية فوق طبقات متراكبة من الرموز. كل خطوة تتحول إلى إشارة. وكلّ محاكمة تصبح خطابا. وكلّ استطلاع رأي يتحول إلى معركة على المستقبل. ولهذا، فإنّ مارين لوبان لا تخوض اليوم سباقا انتخابيا عاديا نحو قصر الإليزيه، بل تخوض مواجهة أكثر تعقيدا بين صورتين متناقضتين: صورة مرشحة تتصدر استطلاعات الرأي، وصورة سياسية مرّت أمام أبواب القضاء. وفي هذه المسافة الضيقة بين المحكمة وصندوق الاقتراع، يتحدد مصير واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الحياة السياسية الأوروبية.

إن المفارقة التي تفرض نفسها ليست أنّ لوبان ما تزال تتصدر نيات التصويت رغم إدانتها في الاستئناف، وإنما أنّ جزءا من الرأي العام الفرنسي لا يقرأ المحاكمة بالطريقة نفسها التي يقرأها القانون. ففي عالم الشعبويات، كثيرا ما تتحول الإدانة القضائية، في نظر المؤيدين، من عبء سياسي إلى وسام اضطهاد، ومن حكم قانوني إلى دليل على أن “المؤسسة” تريد إسكات خصمها. وهنا تبدأ السياسة في مغادرة أرض القانون، لتدخل عالم السرديات. فالانتخابات لا تحسمها الوقائع وحدها، بل تحسمها أيضا الطريقة التي تروى بها الوقائع.

منذ أن ورثت قيادة التجمع الوطني عن والدها جان ماري لوبان، أدركت مارين لوبان أن فرنسا لم تعد تلك الجمهورية التي كانت تتجادل حول الضرائب أو الإصلاح الإداري فقط. لقد تغيرت الخريطة النفسية للناخب الفرنسي. الإرهاب. أزمات الهوية. الهجرة غير النظامية. الاندماج. العولمة. وتراجع الطبقة الوسطى. كلها تحولت إلى مفاتيح جديدة لفهم المزاج الانتخابي. ومن هنا، أعادت لوبان بناء خطابها. خففت كثيرا من حدة خطاب والدها. استبدلت لغة الصدمة بلغة القلق. وتحولت من زعيمة احتجاج إلى مرشحة تقدم نفسها باعتبارها حامية للأمة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما يزال ملفّ الهجرة قادرا على حمل لوبان إلى الإليزيه؟ الجواب ليس بسيطا. فاليمين الشعبوي في أوروبا اكتشف منذ أكثر من عقد أن الهجرة ليست مجرد قضية اجتماعية، بل هي مصنع دائم للمشاعر السياسية. كل مركب يعبر المتوسط. كل حادثة عنف. كل نقاش حول الحجاب أو الهوية أو اللجوء. يتحول إلى وقود انتخابي. ولذلك، يصعب تصور حملة انتخابية للوبان لا يكون ملف الهجرة قلبها النابض. ليس لأنها القضية الوحيدة. بل لأنّها القضية التي تختصر، بالنسبة إلى ناخبيها، أسئلة الأمن، والهوية، والسيادة، والاقتصاد، والثقافة، في كلمة واحدة.

لكن ثمة معطى جديد يميز انتخابات 2027. فرنسا ليست هي فرنسا التي خاضت انتخابات 2017 أو 2022. أوروبا بأسرها تعيش تحولات عميقة. الحرب في أوكرانيا. التوترات في الشرق الأوسط. الضغوط الاقتصادية. وأزمات الطاقة. كل ذلك أعاد تعريف أولويات الناخب. فقد لا تكون الهجرة وحدها كافية هذه المرة. بل قد تضطر لوبان إلى توسيع خطابها ليشمل القدرة الشرائية، والسيادة الاقتصادية، واستقلال القرار الفرنسي داخل أوروبا. فالناخب الذي يخشى الهجرة، يخشى أيضا التضخم. والناخب الذي يقلقه الأمن، يقلقه كذلك مستوى معيشته. أما اليسار، ممثلا في جان لوك ميلونشون، فيبدو وكأنه يستعيد بعض أنفاسه. لكن المفارقة أن صعوده قد يخدم لوبان أكثر مما يضرها. فالاستقطاب الحاد بين اليمين القومي واليسار الراديكالي يمنح كل طرف جمهوره الأكثر وفاء، ويجعل الوسط السياسي أمام امتحان صعب.ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع القوى الوسطية إنتاج شخصية قادرة على جمع الفرنسيين حول مشروع يتجاوز سياسة التخويف المتبادل؟

ومع ذلك، فإن أكبر خصم لمارين لوبان قد لا يكون منافسا انتخابيا. قد تكون هي نفسها. فالانتقال من خطاب المعارضة إلى خطاب الرئاسة ليس مجرد تغيير في النبرة. إنه تغيير في طبيعة المسؤولية. فالناخب الفرنسي قد يمنح صوته لمن يحتج. لكنه يتردد أحيانا في تسليم مفاتيح الدولة لمن بنى مجده على الاحتجاج. وهنا يكمن الامتحان الحقيقي. هل تستطيع لوبان أن تقنع فرنسا بأنها لا تجيد تشخيص الأزمات فقط، بل تمتلك أيضا القدرة على إدارتها؟ إن التاريخ السياسي الفرنسي يعلمنا أن الطريق إلى الإليزيه لا يعبد بالاستطلاعات. كم من مرشح دخل الموسم الانتخابي متصدرا، ثم خرج منه مهزوما. وكم من اسم بدا هامشيا، ثم انتهى رئيسا للجمهورية. فالاستطلاع صورة للحظة. أما الانتخابات فهي رواية زمن كامل.

وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن فرنسا تجد نفسها، مرة أخرى، أمام السؤال ذاته الذي يطارد جمهوريتها منذ عقود. أي فرنسا تريد؟ فرنسا المنفتحة على عالم سريع التحول؟ أم فرنسا التي تبحث عن إعادة ترسيم حدودها الثقافية والسياسية؟ في هذا السؤال تختبئ معركة 2027 كلها. أمّا مارين لوبان، فهي تدرك أن الطريق إلى الإليزيه لا يمر فقط عبر صناديق الاقتراع، بل يمر أيضا عبر مخاوف الفرنسيين وآمالهم. ولهذا، ستظل الهجرة حاضرة في خطابها، لأنّها ليست بالنسبة إليها ملفا انتخابيا فحسب، بل المفتاح الذي تعتقد أنّه يفتح أبواب السلطة. غير أن التاريخ يعلمنا درسا لا يتغير. يمكن للخوف أن يمنح السياسي أصواتا. لكنّ الذي يمنحه الرئاسة حقّا هو قدرته على إقناع الأمة بأنّه لا يكتفي بإدارة المخاوف، بل يعرف أيضا كيف يصنع الأمل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *