المرأة في إفريقيا: آن الأوان لزمن الأفعال

(بقلم د.جميلة ألفين, ديبلوماسية و باحثة-مختصة في حقوق المرأة الإفريقية (ترجمة زكية لعروسي

بعد مرور خمسة وأربعين عاما على اعتماد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، لا يزال السؤال يفرض نفسه بإلحاح لا يخفت: إلى متى ستظلّ المرأة الإفريقية تنتظر أن تتحوّل حقوقها من نصوص مُعلّقة إلى واقع حيّ يعاش؟ لقد بات واضحا أن معاناة النساء -من عنف ممنهج، وتمييز متجذّر، ولا مساواة هيكلية، وثقافة ذكورية متصلّبة، فضلا عن آثار النزاعات المسلحة -لم تعد تحتمل أن تختزل في رمزية المناسبات، ولا أن تُؤجَّل تحت لافتات الوعود. لقد انتهى زمن الخطابات المنمّقة، وآن أوان الفعل الحاسم. فالقوانين إن لم تترجم إلى حياة يومية عادلة، تبقى حبرا باردا في أدراج المؤسسات.

ولا يمكن إنكار ما تحقق من مكاسب خلال العقود الماضية؛ فقد أسهمت جهود هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، إلى جانب مرجعيات دولية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإعلان ومنهاج عمل بكين، في إرساء معالم مهمة نحو المساواة. غير أن هذه المكتسبات، رغم أهميتها، لا تزال هشّة ومتفاوتة على نحو صارخ. ففي العديد من المجتمعات الإفريقية، لا تزال البنى الأبوية تملي قواعدها، وتعيد إنتاج الصور النمطية، وتقوِّض مسارات تمكين النساء، وتحدّ من انخراطهن الكامل في الشأن العام. وهنا تتردّد أصداء قول الفيلسوفة سيمون دي بوفوار: «لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك»، وهو قول يكتسب في هذا السياق دلالة أكثر عمقا، حيث تصاغ الأدوار الاجتماعية بحدود قسرية لا تزال قائمة.

إن المساواة بين الجنسين ليست مجرد مطلب أخلاقي أو التزام قانوني؛ بل هي ركيزة استراتيجية للتنمية الشاملة. فنهضة إفريقيا لا يمكن أن تتحقق دون إطلاق كامل طاقات نسائها. إن تقييد وصول المرأة إلى التعليم والرعاية الصحية والموارد الاقتصادية لا يعني سوى إبطاء عجلة التقدم بأكملها. وقد أثبتت الدراسات أن تمكين النساء يفضي إلى نمو اقتصادي أكثر استدامة، وتحسّن في المؤشرات الاجتماعية، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود. ومن ثم، فإن الاستثمار في حقوق المرأة هو استثمار في مستقبل القارة برمّتها.

ورغم الالتزامات الدولية المتكررة، لا تزال أشكال العنف ضد النساء واقعا يوميا يتجاوز الحدود والثقافات. ويضاف إلى ذلك تمثيل هزيل للنساء في مراكز القرار السياسي والاقتصادي، وهو وضع يزداد حدّة في المناطق الريفية، حيث تتقاطع الأعراف التقليدية مع الهشاشة الاقتصادية وضعف المؤسسات، لتُفاقم من حرمان النساء من أبسط حقوقهن، وعلى رأسها التعليم والاستقلال المالي والرعاية الصحية. والمفارقة الصارخة أن معظم الدول الإفريقية قد صادقت على اتفاقية اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، لكن هذه المصادقة لم تترجم دوما إلى سياسات فعّالة أو آليات تنفيذ حقيقية. لقد آن الأوان لأن تتحول هذه الاتفاقية من واجهة دبلوماسية إلى أداة قانونية نافذة تغيّر الواقع. ويتطلّب ذلك إرادة واضحة تتجسّد في:

– تخصيص تمويل مستدام لتطبيق بنودها على كافة المستويات؛

– إنشاء آليات رقابة ومساءلة ملزمة

– سنّ تشريعات وطنية عاجلة لحماية النساء والفتيات

– اعتماد سياسة صفر تسامح مع العنف، لا سيما في مناطق النزاع

– توفير سبل إنصاف فعّالة للناجيات.

وقد أثبتت بعض التجارب الإفريقية أن الإرادة السياسية قادرة على تحويل النصوص إلى إنجازات ملموسة. ففي جنوب إفريقيا، أسهم قانون تكافؤ فرص العمل في تعزيز الوصول العادل إلى المناصب القيادية. أما رواندا، فقد أرست من خلال تشريعات صارمة ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي نموذجا يحتذى به في الحماية القانونية. وهذه النماذج تؤكد أن القانون، متى ما فعِّل، يمكن أن يكون قوة تغيير حقيقية.

غير أن معركة حقوق المرأة ليست مسؤولية طرفٍ واحد؛ بل هي قضية مجتمعٍ بأسره. فالنساء والفتيات في صدارة هذا النضال، لكنهن لسن وحدهن. إن إشراك الرجال في تبنّي مفهوم “الرجولة الإيجابية” يُعدّ ضرورةً لا غنى عنها، كما أن الإرادة السياسية الصلبة تبقى العامل الحاسم في كسر الحواجز الاجتماعية وتجاوز الجمود المؤسسي. إن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تظل من أقوى الأدوات القانونية الدولية، لكن قوتها الحقيقية لا تتجلّى إلا حين تقترن بعزم سياسي صادق. إفريقيا اليوم أمام اختبار تاريخي: إما أن تواصل الاكتفاء بالشعارات، أو أن تنتقل إلى مرحلة الإنجاز الفعلي. لم يعد مقبولا أن تبقى الحقوق وعودا مؤجلة. المطلوب اليوم أن تصان، أن تمارس، وأن تعاش. الهدف واضح، وإن كان شاقا: أن تتمكّن كل امرأة وكل فتاة في إفريقيا من التمتع بحقوقها كاملة، لا في النصوص، بل في تفاصيل حياتها اليومية. لقد أُسدل الستار على زمن الوعود، وآن أن يفتح على مصراعيه زمن الأفعال.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *