الفنان محمد حمّادي ووزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصحاف

ضمن سلسلة: يخلق من الشبه أربعين

بقلم: عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب

في عالم الوجوه كما في عالم الحكايات، كثيرا ما تصدق المقولة الشعبية: “يخلق من الشبه أربعين”. وقد تتشابه الملامح إلى درجة تجعل الذاكرة تقفز، في لحظة عفوية، من شخصية إلى أخرى، رغم اختلاف الزمان والمكان والمهنة. إنّها لعبة البصر، لا أكثر، حيث ينسج الخيال جسورا بين الوجوه، من دون أن يحمل ذلك أي معنى يتجاوز حدود المصادفة والطرافة. وأنت تتابع إحدى السهرات الخالدة لمجموعة لمشاهب، الرائدة في الأغنية المغربية الملتزمة، لا يكاد يفوتك الحضور اللاّفت للفنان محمد حمّادي. يقف على الخشبة بكل حيوية، يؤدي الأغاني بإخلاص نادر، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الجهد، بينما يتصبب العرق من جبينه في صورة تختزل علاقة الفنان الحقيقي بجمهوره، حيث لا مكان لأنصاف الحلول، بل أداء كامل حتى آخر نغمة.

ولعل أجمل ما في تلك اللحظات أن الكاميرا، كلما استقرت على وجه محمد حمادي، تستفز ذاكرة المشاهد، وكأنها تدعوه إلى رحلة قصيرة في أرشيف الوجوه العربية. وسرعان ما يحضر إلى الذهن اسم يكاد يفرض نفسه تلقائيا: وزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصحاف. إنه ليس تشابها في المسار، ولا في المواقف، ولا في التاريخ، وإنما هو تشابه في بعض الملامح وتعابير الوجه، ذلك التشابه الذي يجعل المشاهد يبتسم قبل أن يواصل متابعة السهرة. فمحمد سعيد الصحاف بقي في ذاكرة العالم بظهوره الإعلامي خلال حرب العراق، وبخطاباته الحماسية التي دخل كثير منها قاموس الطرائف السياسية، خاصة عندما كان يصف القوات الأميركية بـ”العلوج”، ويؤكد بثقة أن بغداد ستكون مقبرة لهم، قبل أن تأتي الوقائع بما هو مختلف تماما عن لغة التصريحات.

وهنا تبدأ طرافة الصورة. فما إن تستقر الكاميرا على وجه محمد حمادي، حتى يخيل للمشاهد، لوهلة عابرة، أن وزير الإعلام العراقي سيغادر منصة المؤتمرات الصحافية، ويعتلي خشبة المسرح، ممسكا بالميكروفون، ليشارك أعضاء لمشاهب أداء إحدى روائعهم الخالدة:

“اليوم تحدا البارح زاد اليوم
واش هاد الغدة وأنا قلبي معدوم
واخياتي وين جيت أنا
بين ساداتي العفو بلي جانا”

ثم لا تلبث الصورة أن تنقلب في الاتجاه المعاكس، فإذا بمحمد حمادي، بعد انتهاء المقطع الغنائي، يضع الميكروفون جانبا، ويتجه بخطوات واثقة نحو منصة صحافية متخيلة، ليخاطب “العلوج” بنفس الحماسة التي اشتهر بها محمد سعيد الصحاف، قبل أن يعود، في اللحظة التالية، إلى الإيقاع المغربي الأصيل، وكأن شيئا لم يكن.

إنها من تلك المفارقات البصرية التي يصنعها التشابه بين الوجوه، فتمنح الذاكرة فسحة من الابتسام، وتؤكد أن العين كثيرا ما تربط بين شخصيات لا يجمعها سوى تقاطيع الوجه، بينما يفصل بينها كل شيء آخر. ولعل جمال مثل هذه المصادفات أنها لا تنتقص من قيمة أحد، ولا تضيف إلى آخر، وإنما تظل مجرد ملاحظة إنسانية طريفة، تؤكد أن الوجوه تحتفظ بأسرارها، وأن الذاكرة بارعة في التقاطها، وأن مقولة “يخلق من الشبه أربعين” لم تولد عبثا، بل لأنها تصف، بدقة مدهشة، ما تراه العين وما يختزنه العقل من صور لا تنسى. ويبقى محمد حمادي واحدا من الأصوات التي أسهمت في صنع مجد مجموعة لمشاهب، كما يبقى محمد سعيد الصحاف واحدا من أكثر الوجوه السياسية إثارة للجدل في الذاكرة العربية. وبين الأغنية والخطاب، وبين المسرح والمؤتمر الصحافي، لا يوجد سوى تشابه في الملامح، أما الباقي فلكل واحد منهما حكايته التي لا تشبه إلا صاحبها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *