المفاوضات امتداد للحرب بوسائل أخرى؟

بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس


ليست أزمة العلاقات الأمريكية الإيرانية مجرد خلاف سياسي عابر، ولا نزاعا تقليديا حول برنامج نووي أو عقوبات اقتصادية، وإنما هي واحدة من أكثر المواجهات الجيوسياسية تعقيدا في النظام الدولي المعاصر. مواجهة تتشابك فيها الذاكرة التاريخية مع العقيدة السياسية، وتتصادم فيها المصالح الاستراتيجية مع الهويات الأيديولوجية، حتى أصبحت الدبلوماسية نفسها رهينة لعوامل نفسية وثقافية وعسكرية تجعل كل جولة تفاوضية أقرب إلى إدارة للصراع منها إلى البحث عن تسوية نهائية. لقد أثبتت العقود الأربعة الماضية أن الأزمة بين واشنطن وطهران ليست أزمة ملفات، بل أزمة ثقة وجودية. فمنذ قيام الثورة الإسلامية سنة 1979، تراكمت الأزمات والعقوبات والاغتيالات والحروب بالوكالة، حتى باتت صورة كل طرف عن الآخر مبنية على قناعة راسخة مفادها أن الطرف المقابل لا يسعى إلى التفاهم، وإنما إلى الإخضاع أو إسقاط النظام السياسي. وفي ظل هذا الإدراك المتبادل، تصبح أي مبادرة دبلوماسية محكومة بالفشل قبل أن تبدأ.

إنّ أوّل أسباب هذا الإخفاق يكمن في العامل السلوكي والنفسي. فالدبلوماسية لا تنجح عندما تكون الثقة غائبة، بل تتحول إلى ساحة جديدة للصراع. فالولايات المتحدة ترى في إيران قوة توسعية توظف المفاوضات لكسب الوقت وتعزيز قدراتها العسكرية، بينما تعتبر طهران أن واشنطن تستخدم الحوار أداة لانتزاع تنازلات استراتيجية تمهد لإضعاف الجمهورية الإسلامية من الداخل. وبهذا المعنى، لم تعد المفاوضات وسيلة لبناء الثقة، وإنما أصبحت امتدادا لمعادلة القوة. وهو ما ينسجم مع ما خلص إليه الباحث الأمريكي ألكسندر جورج في نظريته حول “الدبلوماسية القسرية”، حيث لا يصبح التفاوض مجديا إلا عندما يشعر أحد الأطراف بأن ميزان القوة لا يسمح له بالمواجهة المفتوحة.

غير أن البعد النفسي ليس سوى الوجه الأول للأزمة، إذ تتجذر أسباب الفشل أيضا في التناقض الثقافي والأيديولوجي العميق بين المشروعين الأمريكي والإيراني. فالولايات المتحدة تقدم نفسها باعتبارها حامية للنظام الدولي القائم على القواعد والمؤسسات، بينما تنظر الجمهورية الإسلامية إلى نفسها باعتبارها رأس حربة “محور المقاومة” في مواجهة الهيمنة الغربية والإسرائيلية. هنا لا يتعلق الأمر باختلاف في المصالح فقط، وإنما بصراع بين روايتين متناقضتين للعالم. ولذلك فإن أي تنازل سياسي لا يقرأ باعتباره خطوة نحو السلام، بل يفسر داخليا باعتباره تراجعا عن المبادئ المؤسسة للدولة. وفي واشنطن كما في طهران، يدرك صناع القرار أن أي مرونة قد تتحول إلى ورقة يستثمرها الخصوم في الداخل، وهو ما يجعل الحسابات الداخلية أكثر تأثيرا من ضرورات السياسة الخارجية.

ويزداد المشهد تعقيدا عندما تدخل الذاكرة الجماعية على خط الصراع. فالعلاقات بين البلدين أصبحت مثقلة بجروح لم تندمل. فاغتيال الجنرال قاسم سليماني، والهجمات التي استهدفت منشأة نطنز، والعمليات البحرية في الخليج والبحر الأحمر، وسلسلة العقوبات الاقتصادية المتلاحقة، كلها أحداث تحولت إلى مكونات أساسية في الوعي الاستراتيجي للطرفين. ولم يعد السؤال المطروح هو كيف يمكن إنهاء الصراع، بل كيف يمكن الرد على الضربة السابقة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ومن هنا تبنت طهران مفهوم “الرد المتناسب”، بينما واصلت واشنطن سياسة الضغط المتدرج، ليصبح الثأر السياسي جزءا من معادلة الردع المتبادل.

أما العامل الأكثر حسما، فيتمثل في التنافس على الهيمنة الإقليمية. فالولايات المتحدة تعتبر منطقة الخليج العربي إحدى الركائز الأساسية لأمنها الاستراتيجي، سواء لضمان أمن الطاقة العالمي، أو لحماية حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل، أو لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية قد تغير ميزان القوى في الشرق الأوسط. وفي المقابل، ترى إيران أن أمنها القومي يبدأ خارج حدودها الجغرافية، وأن مكانتها كقوة إقليمية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر بناء شبكة نفوذ تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، مع السعي في الوقت نفسه إلى رفع العقوبات الاقتصادية دون تقديم تنازلات تمس سيادتها أو مشروعها الإقليمي.

ولم تقتصر أسباب الانسداد على هذه العوامل الكبرى، بل ساهمت عناصر أخرى في تكريس حالة الجمود. فلا يوجد حتى الآن وسيط يحظى بثقة كاملة لدى الطرفين، كما أن التيارات المتشددة في كل من واشنطن وطهران تمارس ضغوطا مستمرة لإفشال أي تقارب. ويضاف إلى ذلك عامل الزمن، إذ يعتقد كل طرف أن مرور الوقت يعمل لصالحه؛ فالولايات المتحدة تراهن على استنزاف الاقتصاد الإيراني، بينما تراهن طهران على تآكل الإرادة الأمريكية وتغير الإدارات السياسية في واشنطن. وإلى جانب ذلك، نشأت ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد التصعيد”، حيث أصبح استمرار التوتر يخدم مصالح مؤسسات الدفاع، ويبرر العقوبات، ويعزز آليات الضبط الداخلي لدى الطرفين.

وسط هذه البيئة المعقدة، لم يعد الهدف الحقيقي هو تحقيق السلام، كما لم يعد خيار الحرب الشاملة مرغوبا فيه. وبدلا من ذلك، برزت عقيدة جيوسياسية جديدة يمكن وصفها بعقيدة “لا حرب ولا سلام”. إنها استراتيجية تقوم على إدارة التصعيد بدقة، وإلحاق أكبر قدر ممكن من الضغط والإنهاك بالخصم، دون تجاوز العتبة التي تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة. إنها حرب بطيئة الإيقاع، منخفضة الحدة، لكنها عالية الكلفة، تستخدم فيها العقوبات، والعمليات السيبرانية، والحروب بالوكالة، والضغوط الاقتصادية، والرسائل العسكرية المحدودة، باعتبارها أدوات لتحقيق أهداف سياسية دون الانزلاق إلى حرب تقليدية.

ومن هذا المنظور، تبدو الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية اليوم رهينة لمنطق الردع أكثر من كونها رهينة لمنطق التفاهم. فكل جولة تفاوضية لا تسعى إلى بناء الثقة بقدر ما تهدف إلى تحسين شروط التفاوض المقبلة، وكل تصعيد محسوب ليس مقدمة للحرب، وإنما وسيلة لإعادة تشكيل ميزان القوة قبل العودة إلى طاولة الحوار. وهكذا، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب قنوات الاتصال، بل في غياب الإرادة السياسية لتغيير طبيعة الصراع نفسه. وما دامت الحسابات الاستراتيجية، والاعتبارات الأيديولوجية، والضغوط الداخلية، ومنطق الهيمنة، تتقدم على منطق التسوية، فإن العلاقة بين واشنطن وطهران ستظل أسيرة معادلة دقيقة تختزلها عبارة واحدة: إيلام الخصم بما يكفي لدفعه إلى التفاوض، ولكن ليس بالقدر الذي يدفعه إلى الحرب.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، يبدو أن هذه العقيدة لن تحكم مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية فحسب، بل قد تصبح أحد أبرز أنماط إدارة الصراعات الدولية في القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد الحروب تنتهي بالنصر الكامل، ولم تعد المفاوضات تبدأ بالثقة، بل بات الطرفان يلتقيان في المنطقة الرمادية الفاصلة بين الحرب والسلام، حيث يستمر الصراع بأدوات أقل صخبا، لكنه أكثر استنزافا وأطول عمرا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *