بقلم عبد الله شوك, كاتب وصحافي-المغرب
صدق القائل: “الناس فيما يعشقون مذاهب.” وليس العشق حكرًا على الأشخاص، فقد تتعلق الأرواح بالأمكنة كما تتعلق بالوجوه، وتغدو المدن أوطانا ثانية لمن احتضنتهم أياما من العمر، حتى وإن فرقت بينهم الحدود واختلفت اللغات. ومن بين أولئك العاشقين، يبرز اسم الأستاذ الفرنسي جون بول دومينيك موريل، الذي حل بمدينة سطات مطلع سبعينيات القرن الماضي أستاذا للغة الفرنسية بإعدادية مولاي إسماعيل، قبل أن تتحول المدينة الصغيرة، بهدوئها وألفتها ودفء ناسها، إلى جزء أصيل من ذاكرته ووجدانه. كانت سطات آنذاك مدينة متواضعة في عمرانها، عظيمة في إنسانيتها. مدينة يمكن أن يقطعها المرء سيرًا في نصف يوم، لكنها كانت تتسع في القلوب بقدر اتساع الحنين إليها. وكانت أسماء أساتذتها، المغاربة والأجانب، مألوفة لدى الساكنة كما هي مألوفة لدى التلاميذ، في زمن كانت فيه المدرسة امتدادا للمجتمع، وكان الأستاذ يحظى بمكانة تليق برسالته.
وفي تلك المرحلة، كانت إعدادية مولاي إسماعيل تزخر بكفاءات تربوية فرنسية تركت بصمتها في ذاكرة أجيال كاملة، وما تزال أسماؤهم تتردد بكل تقدير إلى اليوم: الأستاذ موريل، والأستاذة كولودون، والأستاذة صاهاكيان، والأستاذ روجي، والأستاذ ديبوا، والأستاذة بينو، والأستاذ بيكوه… أسماء لم تكن مجرد عابري سبيل، بل أصبحت جزءا من التاريخ التربوي لمدينة سطات. ورغم محدودية وسائل الترفيه آنذاك، وقلة المرافق التي قد تغري الأجانب بالإقامة، فإن هؤلاء الأساتذة أحبوا المدينة كما هي، دون تكلف أو شروط. أحبوا بساطتها، وهدوءها، وشوارعها الظليلة، وأسواقها القديمة، ووجوه أهلها التي كانت تستقبل الغريب بودّ صادق. وحين انتهت مهامهم التعليمية، عاد كل واحد منهم إلى وطنه، لكن شيئا من سطات ظل عالقا في أعماقهم.
ومرت السنوات…وعاد الأستاذ موريل، لا سائحا، بل عاشقا جاء يبحث عن ذكرياته، يحمل في ذاكرته مدينة لم تغادره يوما. غير أن الصدمة كانت أكبر من احتمال القلب. راح يتلفت في كل اتجاه، كمن يبحث عن ملامح وجه يعرفه جيدا، فلا يعثر إلا على أطلاله. سأل عن الحديقة العمومية التي كانت تتوسط المدينة، بأشجارها السامقة وظلالها الوارفة، حيث كانت العائلات تستريح في أمسيات الصيف، ويقضي الصائمون ساعات ما قبل الإفطار في رمضان تحت أغصانها الوادعة. فلم يجد سوى صف طويل من المقاهي التي ابتلعت المكان، وكأن الخضرة كانت ذنبا يستوجب الإعدام. وسأل عن الملاح، ذلك الفضاء الذي جسّد، زمنا طويلًا، تعايش المسلمين واليهود في صورة حضارية نادرة، فإذا به يجد دكاكينه وقد أوصدت أبوابها، وجدرانه تستسلم للنسيان. ومر عبر الشارع الرئيسي الذي كان يسلكه كل صباح نحو إعدادية مولاي إسماعيل، فلم يعثر على ذلك التناغم الجميل بين محلات الأثواب التي كانت تصطف في نظام يضفي على المدينة هيبتها التجارية.

ثم وقف طويلا أمام المكان الذي كانت تنتصب فيه سينما كاميرا، الوحيدة آنذاك، والتي كانت نافذة سطات على العالم، قبل أن تطويها يد الإهمال كما طوت غيرها من معالم المدينة. وتوجه إلى السوق البلدي، حيث كان يقتني السمك والفواكه ويخالط الناس ببساطة المقيم بينهم، فلم يجد سوى فراغ يروي حكاية معلم اختفى، كما اختفت معه قطعة أخرى من ذاكرة المدينة. ولم يكن موريل يسأل بدافع الفضول، بل كان يستنطق مدينة أحبها، مدينة ترك فيها جزءًا من عمره، فعاد إليها ليجدها قد تخلت عن ملامحها التي عشقها. كان يسأل في كل محطة: أين ذهبت سطات التي عرفتها؟
لكن الأجوبة كانت مرتبكة، وعاجزة عن تفسير كيف يمكن لمدينة أن تهدم ذاكرتها بيديها، وتستبدل حدائقها بالإسمنت، ومعالمها التاريخية بما لا يحمل روحًا ولا ذاكرة. لقد كانت الحسرة التي ارتسمت على وجه الأستاذ الفرنسي شهادة صادقة، ربما أكثر صدقًا من شهادات أهل المدينة أنفسهم. فالعاشق يرى في محبوبه ما لا يراه الآخرون، ويشعر بفقدانه قبل غيره. ولم يكن موريل يرثي مباني اندثرت، وإنما كان يرثي روح مدينة كاملة، كانت قادرة على أن تصون تاريخها، وأن تحفظ معالمها، وأن تجعل من ماضيها رافعة لمستقبلها، لا ضحية لجرافات النسيان.
غادر الأستاذ موريل سطات كما يغادر الإنسان بيت طفولته بعد أن يجده قد مُحي من الوجود. غادرها مثقلا بخيبة لا تخطئها العين، منكسر الخاطر، يحمل في ذاكرته مدينة لم يعد لها وجود إلا في الصور الباهتة، وفي ذاكرة من عرفوا سطات حين كانت مدينة تشبه نفسها. وهكذا بقي السؤال معلقا في فضاء المدينة، يردده عاشق فرنسي قبل أن يردده أبناؤها: هل تفقد المدن هويتها حين تهدم معالمها، أم حين تنسى ذاكرتها؟
📲 Partager sur WhatsApp