الوطن شيء يحدث في الداخل

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك حقائق لا نصدّقها إلا حين تجرحنا. كنت أظن أن ما يقال عن المرأة التي تقصي المرأة ليس إلا واحدة من الأساطير التي ينسجها الخائبون لتبرير هزائمهم. كنت أقاوم الفكرة بكل ما أوتيت من إيمان، لأنني كنت أؤمن أن المرأة التي وصلت إلى موقع المسؤولية ستفتح الباب لمن تأتي بعدها، لا أن تغلقه، وأن اليد التي ذاقت مرارة التهميش لا يمكن أن تقدم كأس التهميش لامرأة أخرى. لكن الحياة أكثر دهاء من قناعاتنا. اكتشفت أنّ الأشياء، أي شيء، إذا لم يتأسس على الضمير، قد تنسي صاحبها من أين جاء. . وهنا لا يعود السؤال: أهو رجل أم امرأة. بل يصبح السؤال الأكثر إيلاما: لماذا يتحول الألم الذي كان يفترض أن يصنع التعاطف إلى أداة لإعادة إنتاج الألم؟

ليست القضية قضية نساء ضدّ نساء. القضية قضية وعي. وقضية أخلاق. وقضية فهم لمعنى المسؤولية. المسؤولية امتحان. والكرسي ليس عرشا صغيرا يمنح صاحبه حق توزيع الاعتراف وسحب الانتماء. الكرسي وديعة، والودائع ترد إلى أهلها، أما الوطن فيبقى. لا أحد يملك الوطن. ولا أحد يملك الوطنية. ولا أحد يستطيع أن يمنح صكا في حب الملك، أو شهادة في الوفاء للمغرب، أو ترخيصا في الدفاع عن الصحراء. هذه أمور لا توقع في المكاتب، بل تكتبها الأرواح. الوطن ليس بطاقة دعوة. وليس مقعدا في احتفال. وليس صورة تلتقط أمام منصة. الوطن شيء يحدث في الداخل. يحدث حين ترتجف العين كلّما ارتفع العلم. وحين يصبح النشيد الوطني صلاة لا أغنية. وحين يشعر الإنسان أن حفنة من تراب بلاده أثمن من كنوز الأرض.

لقد تعلمت الوطنية قبل أن أتعلم القراءة. تعلمتها من بيت كانت المقاومة لغته اليومية، ومن حكايات الآباء والأجداد، ومن نساء كن يخبزن الخبز ويخبئن الوطن في الدعاء، ومن رجال كانوا يرددون اسم المغرب كما يردد المؤمن اسم الله في يقينه. ولذلك لا يستطيع أحد أن يقتلع هذا الوطن من داخلي. ولا يستطيع أحد أن يقصيني من حب بلادي. لأن الانتماء لا تمنحه مؤسسة، ولا يسلبه مسؤول، ولا يلغيه قرار. المؤسسات ملك لجميع المغاربة. وجدت لتحمي الحق، لا لتوزعه وفق المزاج. ولتصون الكفاءة، لا لتكافئ الولاء للأشخاص. ولتبني الجسور، لا لتقيم الأسوار.

ومن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة العامة أن يختلط حب الوطن بحب المواقع، وأن يختلط احترام الدولة بتقديس الأشخاص. الدولة باقية. والوطن باق. والملك رمز الاستمرارية. أما المسؤولون، أيا كانت مواقعهم، فهم عابرون، يأتون ويغادرون، ويبقى المغرب أكبر من الجميع. ولذلك فإن الإقصاء، أي إقصاء، ليس إساءة إلى فرد، بل إساءة إلى الفكرة التي قامت عليها الدولة الحديثة: تكافؤ الفرص، واحترام الكفاءات، وصيانة كرامة المواطن.

لا أكتب هذه الكلمات غضبا. ولا انتقاما. بل دفاعا عن مغرب أريده متسعا لكل أبنائه وبناته. مغربا لا يخاف من المثقف. ولا من الكلمة. ولا من الاختلاف. ولا من امرأة تحمل قلما، لأن القلم لا ينافس الدولة، بل يحرس معناها. وسأظل أقولها كما تعلمتها منذ طفولتي: وطني لا يختزل في وجه. ولا في اسم. ولا في منصب. وطني سماء كلما رفعت رأسي وجدتها فوقي. وتراب كلما انحنيت قبلته. وملك كلما ذكر اسمه دعوت له بالعزة وطول العمر. وصحراء كلما نطق بها القلب اتسع الأفق حتى آخر الضوء.

سيذهب الجميع. وستبقى الراية. وسيعود الجميع إلى صفحات الذاكرة. ويبقى المغرب، كما كان دائما، أكبر من أسمائنا، وأطهر من خصوماتنا، وأبقى من كراسينا. ولك يا وطني، وحدك، الحب الذي لا يشيخ. ولملكنا، الوفاء الذي لا يتبدل. ولترابك، الانحناءة التي لا يعرفها إلا قلب تربى على أن الوطن ليس مكانا نسكنه، بل روحا تسكننا، ولا تغادرنا إلا حين نغادر الحياة.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الوطن شيء يحدث في الداخل

  1. لما تغلغلت عقلية شخصنة كرسي المنصب، انهار مفهوم المرفق العمومي. ” بوشعيب، باغي نمشي المصلحة الفلانية واش كتعرف شي واحد تما؟ سير أسول على ابراهيم وقل له أنا من جهة بوشعيب” ، لما يختزل مرفق ينظم القانون مهامه وشروط الحصول على حق إداري، في إسم حامل الطابع، توارى مفهوم ” الرفق العالم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *