حين يغيب الإعلام عن الاحتفال بالوطن

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاكن-الدنمارك

هناك مواقف يختار الإنسان فيها الصمت، ليس خوفا، وإنّما إيمانا بأنّ المؤسسات أكبر من الأشخاص، وأن الاختلاف في وجهات النظر لا ينبغي أن يتحول إلى صراع. ومن طبعي، ومن تربيتي الوطنية والسياسية، أن أتجنب فتح أي مواجهة مع مسؤول أو مؤسسة، لأنني أؤمن بأن خدمة الوطن تقتضي تغليب الحكمة على الانفعال. غير أن الصمت يصبح صعبا حين يتعلق الأمر بمناسبة وطنية جامعة، وفي مقدمتها احتفالات عيد العرش المجيد، التي تمثل بالنسبة إلى كل مغربي، داخل الوطن وخارجه، لحظة اعتزاز بالانتماء، وتجديدا لعهد الوفاء للعرش العلوي المجيد، وللوطن، ولثوابته الوطنية.

ومن هذا المنطلق، يثير الاستغراب استمرار إقصاء عدد من الإعلاميين والصحفيين والفاعلين المدنيين والسياسيين من الدعوات الموجهة لحضور هذه المناسبة الوطنية بمقر سفارة المملكة المغربية في الدنمارك، رغم أن هؤلاء ظلوا، لسنوات، يواكبون الشأن الوطني، ويدافعون عن المصالح العليا للمملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، عبر المقالات والتحليلات والندوات ووسائل الإعلام. إن هذا التساؤل لا يستهدف الأشخاص، ولا يطعن في النيات، وإنما يطرح قضية ترتبط بمعايير الاستحقاق والتمثيل. فما هي الأسس التي تعتمد في اختيار المدعوين إلى مناسبة وطنية يفترض أن تكون فضاء يجمع مختلف الكفاءات والطاقات المغربية المقيمة بالخارج؟ وهل من المنطقي أن يغيب عنها من جعلوا من الدفاع عن صورة المغرب رسالة مستمرة، لا موسمية؟

لقد أصبح الإعلام، في عالم اليوم، أحد أهم أدوات القوة الناعمة للدول. والصحفيون والإعلاميون ليسوا مجرد ناقلي أخبار، بل هم شركاء في بناء صورة الوطن، وفي مواجهة حملات التضليل، وفي التعريف بالإصلاحات التي تعرفها المملكة، وفي الدفاع عن ثوابتها الوطنية داخل الفضاءات الإعلامية الدولية. ومن هنا، فإن حضورهم في المناسبات الوطنية ليس امتيازا شخصيا، بل هو اعتراف بدورهم، وتشجيع لهم على مواصلة أداء رسالتهم، وتعزيز لجسور الثقة بين المؤسسات ومحيطها الإعلامي. وأنا شخصيا، لا أعتقد أن سعادة سفيرة جلالة الملك لدى مملكة الدنمارك، بحكم تجربتها السابقة في مجال الإعلام والصحافة، يمكن أن تكون راضية عن أي ممارسة قد تؤدي إلى تهميش الإعلاميين أو التقليل من قيمة أدوارهم. فمن يعرف المهنة عن قرب يدرك حجم الجهد الذي يبذله الصحفيون في نقل الحقيقة، وصناعة الإشعاع، والدفاع عن صورة الوطن في الخارج.

ولذلك، أميل إلى الاعتقاد بأنّ ما حدث لا يعكس توجها مؤسساتيا، بقدر ما قد يكون نتيجة آليات داخلية في إعداد لوائح المدعوين، وهي آليات تستحق المراجعة حتى تكون أكثر انفتاحا، وأكثر تمثيلية، وأكثر انسجاما مع روح المناسبة الوطنية. إن عيد العرش ليس مناسبة اجتماعية مغلقة، بل هو محطة وطنية جامعة، يجد فيها كل مغربي نفسه، مهما اختلف موقعه أو انتماؤه أو مساره المهني. وقيمة هذه المناسبة تكمن في قدرتها على توحيد القلوب حول الوطن والعرش، لا في تضييق دائرة المشاركة فيها.

إن أبناء الجالية المغربية في الخارج، وفي مقدمتهم الإعلاميون والباحثون والفاعلون المدنيون، يشكلون رصيدا استراتيجيا للدبلوماسية المغربية. وما يقدمونه من دفاع يومي عن قضايا المملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، يستحق التقدير والاحتضان، لا أن يشعروا بأنهم خارج دائرة الاهتمام. إن هذه الكلمات ليست احتجاجا بقدر ما هي دعوة صادقة إلى مراجعة آليات التواصل مع الكفاءات المغربية بالخارج، وإلى ترسيخ ثقافة الإنصاف والاعتراف، لأن قوة مؤسساتنا تكمن في قدرتها على احتضان جميع أبنائها، والاستفادة من طاقاتهم، وتعزيز شعورهم بأنهم شركاء في خدمة الوطن. وسيظل المغرب، بالنسبة إلينا، أكبر من كل التفاصيل، وأسمى من كل الاعتبارات الشخصية.

وسيظل حب الوطن، والوفاء للعرش المجيد، والدفاع عن الوحدة الترابية، التزاما راسخا لا تمنحه دعوة، ولا ينتقص منه غيابها. فالوطن يسكن الضمير قبل أن تفتح له أبواب القاعات، والانتماء الحقيقي يثبت بالفعل والعمل والإخلاص، لا بعدد بطاقات الدعوة. إننا نكتب اليوم لأننا نؤمن أن الكلمة الصادقة هي أرقى صور الوفاء، وأن المؤسسات الوطنية تزداد قوة حين تنصت إلى الأصوات المخلصة، وحين تجعل من الكفاءة، وخدمة الوطن، والإخلاص لثوابته، المعيار الأول في كل مبادرة تجمع أبناء المغرب، داخل الوطن وخارجه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *