عندما تفاوض العواصف صانع المرايا

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليست الحروب الكبرى معارك فقط، بل مناظرات سرية بين أوهام الدّول. المدافع ليست سوى اللغة التي تلجأ إليها القوى حين تعجز الكلمات عن حمل أثقال الطموح. وما يجري بين واشنطن وطهران لا يشبه نزاعا عاديا بين دولتين، بل يشبه أسطورة قديمة عن جبلين يتحركان ببطء نحو بعضهما، وكل واحد منهما يظن أن الصدى الخارج من الوادي هو صوته وحده، بينما الحقيقة أن الوادي نفسه صار يتكلم. دونالد ترامب لا يدخل السياسة كما يدخلها رجال الدولة التقليديون. إنّه يدخلها كما يدخل لاعب كيمياء مختبرا مليئا بالمعادن المتفجرة. لا يبحث عن التوازن بقدر ما يبحث عن اللحظة التي يصبح فيها الاختلال نفسه أداة للحكم. عنده، التهديد ليس مقدمة للحرب دائما، كما أنّ الابتسامة ليست مقدمة للسلام. كلاهما وجهان لقناع واحد، يتبدل كلما تغير اتجاه الضوء. لذلك يبدو الرجل كمن يمسك العالم من عنقه بيد، ويقدم له وردة باليد الأخرى، ثم يراقب في صمت أيّ اليدين ستبقى عالقة في ذاكرة الخصم.

في هذا المسرح، لا تكون المفاجأة حادثا، بل عقيدة. ترامب يدرك أن الخصم الذي يستطيع التنبؤ بخطوتك التالية قد انتصر عليك قبل أن تبدأ المباراة. لذلك يحول الغموض إلى مؤسسة، والتقلب إلى دستور، والصدمة إلى لغة تفاوض. إنه لا يبيع اليقين، بل يبيع احتمال الانفجار، ثم يجعل الجميع يدفعون ثمن تجنب ذلك الانفجار. أما إيران، فهي لا تتحرك كدولة فقط، بل كحضارة تعلمت عبر قرون طويلة أنّ الزّمن قد يكون أعظم الجيوش. هناك إمبراطوريات مرت فوق هضابها كما تمر العواصف فوق الصخور، لكنها بقيت. لهذا لا تقيس طهران الوقت بالساعات، بل بالأجيال. تعرف أنّ القوة ليست دائما في الضربة الأولى، بل في القدرة على تحويل الانتظار إلى سلاح، والصبر إلى حصن، والغموض إلى متاهة يضيع فيها خصومها.

وحين يلتقي الرجل القادم من عالم الصفقات بالدولة التي تتقن هندسة الزمن، يصبح الشرق الأوسط أشبه ببحيرة أسطورية يسكنها تنينان لا يريد أيّ منهما أن يبتلع الآخر، لكنّه يريد أن يراه خائفا من احتمال الافتراس. هنا تتحول كل سفينة إلى رسالة، وكل ناقلة نفط إلى فقرة في بيان سياسي، وكل موجة في مضيق هرمز إلى سطر مكتوب بحبر أسود فوق صفحة الاقتصاد العالمي. مضيق هرمز ليس ممرا مائيا فقط، بل شريان يمر داخله نبض الحضارة الصناعيّة. إنّه باب صغير يحمل على مفاصله أعباء قارات كاملة. وكلّما ارتفعت فيه رائحة البارود، بدا العالم كما لو أنه مدينة عملاقة اكتشفت فجأة أنّ قلبها معلق بخيط رفيع فوق بحر مضطرب. النفط هنا لا يجري كسائل، بل كدم أسود في جسد الاقتصاد الكوني، وكل اضطراب في ذلك الدم يجعل أسواق المال ترتجف كما ترتجف الأشجار حين تشعر بأن الريح لم تولد بعد.

لكن اللعبة أعمق من النفط، وأعمق من العقوبات، وأعمق من الصواريخ. إنها معركة حول تعريف القوة نفسها. الولايات المتحدة تريد أن تقول إن النظام العالمي ما زال يكتب بقلمها، وإيران تريد أن تثبت أن الصفحة لم تعد تتسع لكاتب واحد. لذلك تبدو المفاوضات كأنها رقصة فوق هاوية، يقترب فيها الراقصان حتى تكاد الأنفاس تختلط، ثم يبتعدان قبل أن يسقط أحدهما في الفراغ. وليس مستبعدا أن يكون التصعيد ذاته جزءا من هندسة التهدئة. فالسياسة الكبرى تعرف أن الخوف سلعة نادرة، وأن السوق لا يشتري الطمأنينة إلا بعد أن يتذوق طعم الرعب. لذلك ترتفع النبرة، ثم تنخفض. يلمع السيف، ثم يعود إلى غمده. لا لأن الحرب انتهت، بل لأن ظلها صار أكثر ربحا من وقوعها.

ترامب يفهم جيدا قيمة المشهد. إنه يبني السياسة كما يبني مخرج مسرحي عرضا ضخما. الأضواء، والتوقيت، والصمت، والعبارة المفاجئة، والتراجع في اللحظة الأخيرة، كلها عناصر في عرض واحد. غير أن المسرح هنا ليس خشبة، بل كوكب كامل، والجمهور ليس متفرجين، بل شعوب تدفع أثمان كل مشهد من أعصابها وأسعار غذائها وقلقها على الغد. وإيران، في المقابل، تتقن فنا مختلفا. إنها لا تعرض قوتها دفعة واحدة، بل تتركها تتسرب مثل الضباب. تجعل خصومها يتساءلون دائما أين تنتهي حدود نفوذها وأين تبدأ. وفي هذا السؤال ذاته تكمن نصف قوتها، لأن الخيال غالبا ما يبني وحوشا أكبر من الواقع.

العالم يظن أنّه يشاهد مباراة شطرنج، لكنّه في الحقيقة يقف داخل متاهة مرايا. كل لاعب يرى صورته في وجه خصمه. أمريكا تخشى أن تفقد هيبة الردع، وإيران تخشى أن تفقد هيبة الصمود. وكلتاهما تدرك أن الهيبة عملة نفسية قبل أن تكون رصيدا عسكريا. لذلك يصبح الحفاظ على الصورة أهم أحيانا من تحقيق النصر نفسه. ولعل الحقيقة الأكثر غرابة أن هذه اللعبة لا يصنعها الرجال وحدهم. هناك أسواق خفية، وخوارزميات مالية، وشركات طاقة، وأجهزة استخبارات، وتحالفات صامتة، وممرات بحرية، ومصانع سلاح، كلها تنسج خيوطا غير مرئية فوق رؤوس الساسة. يبدو الرئيس أحيانا كربان سفينة، لكنه قد يكون في لحظات كثيرة مجرد راكب يحاول إقناع الجميع أنه يمسك بالدفة، بينما التيارات العميقة هي التي تحدد اتجاه البحر.

وهكذا لا يصبح الشرق الأوسط ساحة حرب فقط، بل مختبرا أسطوريا تختبر فيه القوى الكبرى حدود أعصابها. وكل هدنة ليست نهاية الرواية، بل فاصلا بين فصلين. وكل تصريح متفائل قد يخفي وراءه غرفة مظلمة تواصل فيها الاحتمالات كتابة نفسها. إنّ هذا الصراع, قارئي العزيز, لا يشبه نزالا بين نسر وفهد، بل يشبه حوارا بين بركان وصحراء. البركان يهدد بالانفجار ليذكّر الجميع بوجوده، والصحراء تنتصر بالصبر، لأنّها تعرف أنّ الرماد نفسه سيتحول مع الزمن إلى جزء من رمالها. وبين النّار والرمل يقف العالم كلّه، حاملا مصباحا صغيرا في مهب ريح لا يعرف أحد من أين جاءت، ولا إلى أيّ أفق ستذهب.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *