بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
وهل كانت اليمن تعيش السلام حتى نقول إنها تسير إلى حرب؟ ذلك سؤال لا يطلب جوابا، بل يفتح بابا في جدار الزمن. سؤال يقف وحيدا كآخر شجرة في صحراء لا تتذكر المطر، ويحدق في العالم بعينين من رماد، كأنه يقول: كيف يعود إلى النار بيت لم يغادره اللهيب؟ اليمن لم تكن تمشي نحو الحرب، بل كانت الحرب هي التي تمشي داخل اليمن، كما يمشي الليل في عروق الغابة. لم تكن الهدنة سوى قنديل معلق فوق بحر هائج، يظنه العابرون شاطئا، بينما كانت الأمواج في الأعماق تنحت أسنانها استعدادا لافتراس السفن. هذا البلد العتيق لم يولد على هامش التاريخ، بل كان أحد الذين علموا التاريخ كيف يكتب اسمه. كانت جباله تحفظ أسرار الريح، وكانت صحاريه تعرف أسماء القوافل قبل أن تترك آثار أقدامها على الرمل. وكان بخوره يصعد إلى السماء كأنه صلاة الأرض، بينما كانت حضارات كثيرة ما تزال تبحث عن أول حجر تبني به ذاكرتها. ثم جاء زمن صار فيه الوطن حقيبة تتنازعها الأيدي، وصار العلم عباءة يجرها كل مشروع إلى جهته، حتى بدا اليمن كأنه طائر العنقاء، لا يحترق ليولد من جديد، بل يحترق كل صباح ليولد لهب جديد.
منذ أن استولى الحوثيون على صنعاء، لم يتغير ميزان السلطة وحده، بل اضطرب ميزان المعنى. أصبحت الدولة مرآة مكسورة، يرى كل طرف فيها صورته وحده، بينما اختفت صورة اليمن بين الشظايا. وغدا السلاح لغة أعلى من الدستور، والشعار أعلى من الإنسان، والولاء للمشروع أعلى من الولاء للوطن. لم يعد اليمن وطنا يختلف أبناؤه على السياسة، بل صار مسرحا تتصارع فوق خشبته خرائط لا تشبه تضاريسه، وأعلام جاءت من وراء البحار تبحث عن موطئ قدم في خاصرة الجزيرة العربية. وكلما رفرفت راية جديدة، انطفأ مصباح في بيت يمني، وكلما ارتفع شعار، انخفض سقف بيت فوق رؤوس أصحابه.

أما صنعاء، فقد بدت كمدينة خرجت من أسطورة حزينة. مدينة تمشي في شوارعها الأشباح بثياب الأحياء، ويجلس الزمن على نوافذها كشيخ فقد ذاكرته، فلا يعرف إن كان يؤذن للفجر أم يرثي الغروب. وحين حطت الطائرة الإيرانية في صنعاء، لم يكن المشهد بداية الأزمة، بل كان جرسا أيقظ أزمة لم تنم يوما. فالزلازل لا تبدأ حين تهتز الأرض، بل حين يتشقق الصمت في أعماقها. والطائرات ليست إلا رسائل معدنية، أما الكلمات الحقيقية فتكتبها موازين القوى، وتوقعها الجغرافيا بالحبر الذي لا يجف. يتحدث العالم اليوم عن احتمال اندلاع حرب جديدة، وكأن اليمن كانت تستريح في حديقة سلام. لكن الحقيقة أكثر قسوة من اللغة. فما يسمى سلاما لم يكن سوى هدنة بين انفجارين، وما يسمى هدوءا لم يكن سوى صمت الذخيرة وهي تبدل مخازنها، وما يسمى استقرارا لم يكن إلا استراحة للموت كي يلتقط أنفاسه.
لقد دفعت اليمن أثمانا لا تقاس بالأرقام. فالأوطان لا تخسر أبناءها فقط، بل تخسر أصوات الأمهات، ورائحة الخبز، وضحكات الأطفال، والأبواب التي كانت تفتح بلا خوف، والأشجار التي كانت تعرف أسماء العائدين عند الغروب. وإذا كانت الجيوش تقيس انتصاراتها بعدد المواقع، فإن اليمن تقيس هزائمها بعدد البيوت التي نسيت أصوات أصحابها، وبعدد المدن التي أصبحت تحفظ أسماء المقابر أكثر مما تحفظ أسماء المدارس. المأساة لم تكن في سقوط مدينة، بل في سقوط فكرة الوطن من قلوب كثيرين. حين يصبح الانتماء إلى الجماعة أقوى من الانتماء إلى اليمن، تبدأ الخرائط في النزف، وتصبح الحدود مجرد جروح مفتوحة على الجهات الأربع.

ومع ذلك، فإن اليمن أكبر من الذين يتنازعونها، وأقدم من المشاريع التي تعبر فوقها، وأبقى من البنادق التي تتكلم باسمها. فالأمم العريقة تشبه الجبال، قد تغطيها العواصف، لكنها لا تتخلى عن مكانها في الأفق. سيأتي يوم ينظر فيه المؤرخ إلى هذه السنوات كما ينظر إلى كسوف طويل ابتلع الشمس، ثم انقشع. وسيكتب أن اليمن لم تكن ضحية الجغرافيا، بل ضحية الذين ظنوا أن الوطن يمكن أن يتحول إلى منصة لمعارك الآخرين، وأن الدولة يمكن أن تستبدل بسلطة السلاح، وأن التاريخ يمكن أن يكتب من فوهة بندقية. وعندها، لن يكون السؤال: من ربح الحرب؟ بل سيكون السؤال الذي سيطارد الضمير الإنساني طويلا: كيف استطاع وطن أن يحمل كل هذا المجد في ذاكرته، وكل هذا الألم في حاضره، ثم يبقى واقفا، كجبل يرفض أن ينحني، رغم أن العواصف تعلمت منذ قرون اسمه.
📲 Partager sur WhatsApp