هوليوود تكتشف أن الصحراء لا تصور بل تحلم

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

هناك أماكن لا تدخلها الكاميرا لتسجلها، بل تدخلها لتتعلم منها. أماكن لا تكون خلفية للأحداث، بل تصبح هي الحدث نفسه. فبعض الجغرافيا ليست صامتة كما يظن البشر. إنها تخبئ أصواتا أقدم من اللغات، وتحمل في طبقاتها ذاكرة أمم رحلت وبقي صدى خطاها معلقا بين الجبال والوديان والبحار. والمغرب واحد من تلك الأماكن النادرة التي لا يحتاج فيها التاريخ إلى ممثلين. لأن الأرض نفسها تؤدي الدور. حين اختار كريستوفر نولان ربوع المملكة لتكون مسرحا لملحمة الأوديسة، لم يكن يبحث فقط عن صحراء جميلة أو قرى قديمة أو ضوء مناسب للكاميرا. كان يبحث عن شيء أعمق: عن اللحظة التي يلتقي فيها الزمن بالحلم، وعن مكان يستطيع أن يقنع العين بأن الأسطورة ليست شيئا حدث وانتهى، بل شيئا ما زال يمشي بيننا. في المغرب، وجد طروادة أخرى. لم تكن طروادة التي احترقت في كتب هوميروس فقط، بل طروادة التي ولدت من جديد تحت شمس الجنوب، بين جدران آيت بن حدو، وفي امتداد رمال الداخلة، حيث يبدو الأفق كأنه صفحة بيضاء كتب عليها الكون أولى حكاياته.

يقال إن الحضارات تموت حين يغادرها البشر. لكن بعض الأماكن تكذب هذه القاعدة. فهي لا تموت، بل تنتظر. تنتظر رساما يكتشف ألوانها. وشاعرا يسمع همسها. ومخرجا يفتح لها نافذة على العالم. وهذا ما حدث للمغرب منذ أن جاءت إليه السينما العالمية. لم يكن مجرد موقع للتصوير، بل كان شريكا في صناعة الوهم الجميل الذي نسميه الفن. من لورنس العرب إلى غلادياتور، ومن مملكة السماء إلى الأوديسة، ظلت هذه الأرض تستقبل عصور البشرية المختلفة كما لو أنها لا تعيش في القرن الحادي والعشرين، بل تختزن كل القرون في قلب واحد. هنا يمكن لقلعة طينية أن تصبح مدينة قديمة. وهنا يمكن للرمل أن يصبح بحر سفن غارقة. وهنا يمكن للشمس نفسها أن تتحول إلى مصباح داخل استوديو كوني لا يحتاج إلى كهرباء. كان بورخيس يؤمن بأن العالم متاهة من الكتب، وأن الإنسان لا يكتشف الحقيقة إلا حين يفتح الصفحة المناسبة. لكن المغرب يبدو أحيانا كأنه كتاب كتبته الطبيعة قبل ظهور الكتابة. فجباله فصول. وصحاريه هوامش ذهبية. ومدنه القديمة حروف منحوتة في ذاكرة الزمن. ولهذا حين وصلت كاميرات هوليوود، لم تكن تبحث عن مكان لتصوير الماضي. كانت تبحث عن الماضي نفسه.

في عالم أصبحت فيه الصورة سلاحا ناعما، لم تعد السينما مجرد صناعة للترفيه. لقد أصبحت لغة من لغات القوة. الدول اليوم لا تتنافس فقط بالاقتصاد والجيوش، بل أيضا بقدرتها على أن تجعل العالم يرى قصتها بالطريقة التي تريدها. وهنا أدرك المغرب مبكرا أن الكاميرا قد تكون سفيرا لا يحمل جواز سفر، وأن مشهدا سينمائيا واحدا قد يصل إلى قلوب الملايين أكثر من عشرات الخطب الرسمية. فالصورة لا تدخل العقل فقط. إنها تسكن الذاكرة. كان هايدغر يقول إن الإنسان لا يسكن المكان فقط، بل يسكن معنى المكان. وهذا هو السر العميق في التجربة المغربية. فالمملكة لم تتعامل مع السينما كضيف عابر، بل كجسر بين الحضارات. فتحت فضاءاتها للفن، واستثمرت في بنيتها السينمائية، وحولت ورزازات إلى اسم يتردد في صناعة الخيال العالمي. لم تبن فقط استوديوهات. بل بنت علاقة بين الأرض والخيال.

وحين تظهر الصحراء المغربية على الشاشة الكبرى، فإنها لا تظهر كفراغ. بل تظهر كحضور. كشهادة على أن الصحراء ليست نهاية العالم، بل بداية الحكايات. فالصحارى في ذاكرة البشر كانت دائما أماكن التحول: فيها سار الأنبياء، وعبرت القوافل، وولدت الأساطير، وتأمل الفلاسفة معنى الوجود. واليوم، تضيف السينما صفحة جديدة إلى هذه الذاكرة. صفحة تكتبها العدسة لا القلم. إن قوة الأمم لا تقاس فقط بما تملكه، بل بما تستطيع أن تلهم به الآخرين. هناك دول تصنع المنتجات. وهناك دول تصنع الصور. والصورة، في هذا العصر، أصبحت إحدى أكثر العملات قيمة. لأن الإنسان قد ينسى رقما اقتصاديا، لكنه لا ينسى مشهدا ترك في روحه أثرا. قد ينسى خطابا سياسيا، لكنه يتذكر دائما المكان الذي جعله يحلم.

كان دوستويفسكي يرى أن الجمال يحمل قدرة خفية على مقاومة الفوضى. وربما لهذا السبب تبدو السينما المغربية اليوم أكثر من صناعة. إنها حوار بين الأرض والإنسان. بين الماضي والمستقبل. بين القافلة القديمة والكاميرا الحديثة. بين أسطورة البحر المتوسط وحلم القرن الجديد. لم تأت هوليوود إلى المغرب لتمنحه شهادة وجود. فالأرض التي عبرتها الحضارات لا تحتاج إلى شهادة من أحد. جاءت هوليوود لأنها وجدت هنا شيئا فقدته في أماكن كثيرة: دهشة البداية. وجدت أرضا لا تمثل التاريخ، بل تستضيفه. ولا تقلد الأسطورة، بل تمنحها مكانا جديدا كي تولد. وهكذا، بينما تبحث بعض الأمم عن موطئ قدم في ذاكرة العالم، كان المغرب يفعل شيئا أكثر هدوءا وأكثر عمقا: كان يترك العالم نفسه يكتب اسمه. لا بالحبر. بل بالضوء.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *