بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك، في أقصى الجنوب العربي، يقبع اليمن كأنه الجرح الذي تعب العالم من النظر إليه. بلد كان يوما مهدا للبخور، وممرا للحضارات، وأحد أقدم المعابر بين البحر والتاريخ، صار اليوم مجرد هامش في نشرات الأخبار، أو رقم إضافي في تقارير المجاعة والحرب. اليمن ليس بلدا في الجغرافيا العربية…إنه ذاكرة كاملة. إنه أرض سبأ، وأرض السد العظيم الذي فهم معنى الدولة قبل أن تولد كثير من الأمم الحديثة. هناك، حيث كانت القوافل تمرّ محمّلة بالحكمة والتجارة والشعر، صار الأطفال اليوم يمرّون بين الأنقاض وهم يحملون الجوع بدل الكتب.
المأساة اليمنية ليست فقط حربا أهلية، بل انهيار معنى الوطن نفسه. حين سيطر الحوثيون على أجزاء واسعة من البلاد، لم يكن الأمر مجرد تحول عسكري أو سياسي، بل بداية انتقال اليمن من دولة مأزومة إلى ساحة مفتوحة لكل التناقضات الإقليمية. ومع الوقت، تآكلت الدولة قطعة قطعة، حتى بدا اليمن وكأنه خرج من التاريخ الحديث وعاد إلى زمن الميليشيات والهويات المغلقة. أخطر ما فعلته هذه الحرب ليس تدمير الحجر، بل إنهاك الروح اليمنية نفسها. فالحضارات لا تموت فقط بالقصف، بل تموت حين يُختزل الإنسان في مشروع تعبئة دائمة، وحين تتحول الثقافة إلى خطاب حرب، والتاريخ إلى وقود إيديولوجي.

في اليمن، ضاعت المدن القديمة تحت الظلام والفقر. صنعاء التي كانت تشبه قصيدة حجرية معلقة بين الجبال، صارت مدينة تتنفس الخوف. وتعز، وعدن، والحديدة… كلها تحولت إلى أسماء منهكة في جغرافيا أنهكها الصراع الإقليمي. وكأن اليمن عوقب لأنه كان جميلا أكثر مما ينبغي. الحوثيون، مثل كثير من الحركات العقائدية المسلحة في المنطقة، دخلوا التاريخ من باب “القضية”، لكنهم مع الزمن أعادوا إنتاج المأساة نفسها التي وعدوا بمحاربتها. فالسلطة التي تبنى على منطق التعبئة المستمرة، لا تستطيع أن تنتج دولة طبيعية. لأن الدولة تحتاج إلى مواطن… بينما المشروع العقائدي يحتاج دائما إلى مقاتل. وهنا تتكرر المأساة العربية ذاتها: حين تصبح الهوية المسلحة أقوى من فكرة الوطن. لقد تحول اليمن إلى مختبر قاس لفكرة النفوذ الإقليمي، حيث تتصارع القوى الكبرى والمتوسطة فوق جسد بلد فقير ومنهك. إيران ترى فيه ورقة ضغط استراتيجية، والقوى الدولية تراه عقدة أمن بحري، بينما يدفع اليمنيون الثمن وحدهم: الجوع، النزوح، والانهيار البطيء لذاكرة عمرها آلاف السنين.

في الأمثال المغربية يقال: “إلى طاح الجمل، كثروا سكاكينو.” واليمن اليوم يشبه ذلك الجمل المتعب الذي تكالبت عليه السكاكين من كل الجهات. لكن الكارثة الأعمق ليست فقط في الحوثيين أو في الحرب، بل في اعتياد العالم على هذا الخراب.
صار اليمن بالنسبة لكثيرين مجرد “أزمة مزمنة”، وكأن موت الحضارات يمكن أن يتحول إلى خبر روتيني. وهنا يعود السؤال الكبير الذي يطارد العالم العربي كله: كيف تحولت أوطان كانت مراكز إشعاع حضاري إلى ساحات استنزاف دائم؟
الجواب ربما يكمن في تلك اللحظة التي انتصرت فيها الميليشيا على الدولة، والعقيدة المغلقة على فكرة الوطن، ومنطق المحور على منطق الإنسان. ولهذا يبدو المغرب، وهو يراقب هذا الشرق المتعب، كمن تعلم مبكّرا أن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة هو أن تفقد توازنها بين الهوية والحكمة. فالوطن لا يحمى فقط بالسلاح، بل يحمى أيضا بالعقل، بالتعدد، وبفكرة الدولة التي تتسع للجميع. اليمن اليوم ليس مجرد مأساة يمنية، بل مرآة عربية مخيفة. مرآة تقول لنا إن الحضارات لا تسقط فجأة…بل تتآكل ببطء، حين يصبح صوت البندقية أعلى من صوت الحياة.
📲 Partager sur WhatsApp