تلمسان في حضرة المغرب: وثيقة من نار ونور

بقلم زكية لعروسي, باريس

في خزائن التاريخ المغاربي، هناك وثائق لا تقرأ بالحبر وحده، بل تقرأ برجفة الأمم وهي تستعيد ذاكرتها بعد قرون من الغبار. أوراق تبدو صامتة في ظاهرها، لكنها حين تفتح، يخرج منها صهيل الخيل، وصوت العلماء، ونداءات القبائل، وارتعاش المدن وهي تبحث عن ملاذ يحفظ لها الدين والأرض والكرامة. ومن بين تلك الوثائق التي بقيت كالجمر تحت رماد السرديات الاستعمارية، تبرز بيعة أهل تلمسان للسلطان المغربي المولى عبد الرحمان بن هشام، كأنّها شمس قديمة حاولت فرنسا طويلا أن تحجب ضوءها، لأنها لم تكن مجرد ورقة سياسية، بل كانت إعلانا صريحا عن حقيقة المجال المغربي الكبير، يوم كانت الروابط تبنى بالبيعة والعلم والتصوف والنسب الشريف، لا بخطوط الحديد التي رسمها المستعمر فوق الخرائط.

لقد جاءت تلك البيعة في لحظة كان المغرب الأوسط كله يرتجف تحت وقع السقوط العثماني والزحف الفرنسي. كانت الجزائر تُنتزع من جسدها الإسلامي قطعة قطعة، وكانت تلمسان، مدينة العلماء والأولياء والقوافل، تدرك أن العاصفة القادمة ليست عسكرية فقط، بل محاولة لاقتلاع الذاكرة نفسها. حينها، لم تتجه القلوب نحو باريس، بل نحو فاس. لم تبحث القبائل والعلماء عن جنرال أوروبي، بل عن سلطان المغرب، أمير المؤمنين. وكأنّ التاريخ نفسه كان يعرف الطريق.هناك، في تلك اللحظة التي اختلط فيها الخوف بالإيمان، وارتجفت فيها تلمسان كما ترتجف شجرة زيتون تحت ريح سوداء، اجتمع العلماء والفقهاء والأعيان وزعماء القبائل، ليكتبوا واحدة من أخطر الوثائق السياسية والروحية في تاريخ المنطقة. وجاء في نص البيعة:

“الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

هذا ما اتفق عليه كافة أهل تلمسان ووجهاؤها، ومن انضاف إليهم من قبائل الغرب الجزائري، من العلماء والفقهاء والأعيان والقادة، سدد الله آراءهم. إنه لما دهمت الديار الجزائرية داهية الاحتلال الغاشم، وانقطعت السبل، وغاب ولي الأمر الذي يجمع الكلمة ويرفع راية الجهاد، نظرنا في أمرنا فلم نجد لملاذنا ومعاذنا إلا الحضرة العلية بالله، أمير المؤمنين وملاذ المسلمين، مولانا عبد الرحمان بن هشام، سلطان المملكة المغربية، نصره الله وأعز أمره. وعليه، فقد بايعنا سيادته بيعة شرعية، على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، وفيما يرضي الله ورسوله، وأن يكون لنا إماماً وقائداً، يحمي حوزتنا ويذود عن بيضتنا، ويقيم فينا شرع الله، ويجمع شتاتنا تحت رايته المنصورة. وقد رضينا به إماماً لنا، ممتثلين لقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ”.وعلى هذا وقع الاتفاق، والعهد مسؤول أمام الله.”

أيّ لغة هذه التي ترتجف بين السياسة والتصوف؟ وأيُّ زمن كان يجعل مدينة بأكملها ترى في سلطان المغرب “ملاذ المسلمين”؟ إنّ الوثيقة ليست مجرد نص بيعة، بل مرآة لذاكرة حضارية كاملة. فالكلمات نفسها تكشف طبيعة العلاقة بين تلمسان والمغرب. لم يكن الأمر استعانة عابرة، بل رجوع الفرع إلى الجذر، والزاوية إلى الحضرة، والمدينة إلى عمقها التاريخي. ولهذا ارتعبت فرنسا من هذه البيعة. كانت تدرك أن الجيوش يمكن هزمها، لكن البيعة الروحية أخطر من المدافع.

فإذا ظلّت تلمسان ترى في المغرب سندها الطبيعي، وإذا بقي العلماء والقبائل مرتبطين بالحضرة الشريفة، فإن مشروع الفصل الاستعماري سيظل ناقصا. من هنا بدأت فرنسا حربها الطويلة على الذاكرة. حرب لم تستهدف الأرض فقط، بل استهدفت الأنساب والزوايا والمخطوطات والسلاسل الروحية التي كانت تصل فاس بتلمسان كما تصل شرايين القلب بالجسد. ولذلك ليس غريبا أن تبدو تلمسان شبيهة بفاس إلى هذا الحد. الوجوه ذاتها، الأسماء ذاتها، رائحة الكتب ذاتها، وحتى نبرة الكلام فيها شيء من موسيقى المغرب القديمة.

إنه أثر الأدارسة والعلويين والعلماء الصوفية الذين عبروا نحو تلمسان حاملين معهم خزائن القرويين، وعلوم الفقه، وأسرار اللغة، ورحيق التصوف المغربي. كانوا يرحلون كما ترحل الطيور العارفة بمواسم النور. لا يشعرون أنهم يغادرون وطنا إلى وطن آخر، بل ينتقلون داخل البيت الحضاري نفسه. ومن يقرأ كتب التراجم القديمة، يكتشف أن أسماء الأسر العلمية الكبرى كانت تتحرك بين فاس وتلمسان بحرية الماء: المقري، التلمساني، الفاسي، الإدريسي، العلوي…حتى تبدو الحدود الحديثة شيئا طارئا أمام هذا الامتداد العميق.

هذه وثيقة تعود إلى سنة 1845م، وهي من آثار جدي الأكبر علي بن محمد بن أحمد لعروسي، أحد علماء التصوف بمدينة تلمسان. وتتضمن خطبة جمعة يرفع فيها الدعاء للسلطان مولاي عبد الرحمان 

لقد كان العلماء المغاربة يذهبون إلى تلمسان كما يذهب الرجل إلى مكتبته الأخرى. وهنا تكمن الحقيقة التي حاولت السرديات الاستعمارية طمسها: أنّ المغرب الكبير لم يكن مجرد تجمع جغرافي، بل فضاء روحيا واحدا، تتداخل فيه الزوايا والبيعات والطرق الصوفية والأنساب الشريفة. ولذلك، حين استنجد أهل تلمسان بالمولى عبد الرحمان، لم يفعلوا ذلك كغرباء، بل كأهل دار واحدة تهددها النار. وقد استجاب السلطان المغربي بإرسال ابن عمه مولاي علي بن إدريس، مدعوما بالقوات والمال، دفاعا عن ذلك الامتداد الطبيعي للمملكة المغربية. لكن فرنسا، التي فهمت خطورة هذا الامتداد، مارست ضغطا عسكريا رهيبا، وهددت بقصف المدن المغربية، حتى اضطر السلطان إلى سحب جيشه لاحقا.

وثيقة لمراسلة شعرية بين جدي القاضي علي لعروسي (والذي تتلمذ عنه الشيخ بنحمزة البودشيشي في الجامع العتيق ببركان) وأساتذته بتلمسان، تعود إلى بدايات القرن العشرين.

غير أن الوثيقة كانت قد كتبت. والتاريخ، حين يكتب بالبيعة والدم والروح، لا يمكن محوه بسهولة. لقد بقيت تلمسان في الوجدان المغربي أكثر من مدينة. بقيت مقاما من مقامات الروح المغربية. مدينة إذا ذُكرت، نهضت معها صورة العلماء المتصوفة وهم يعبرون الأزقة حاملين كتب الفقه والنحو، وتنهض معها رائحة الزوايا القديمة، وصوت المقرئين، وأحاديث الجدات عن “أهل فاس” و”أهل تلمسان” كأنهم عائلة واحدة فرّقتها السياسة ولم يفرّقها التاريخ. وكانت الأمهات المغربيات يقلن: “الدم ما يولّي ما.” وكأن الحكمة الشعبية كانت تختصر قرونا من الامتداد الحضاري بكلمات قليلة.

إنّ هذه الوثيقة لا تدعو إلى نزاع، بل تدعو إلى إنصاف الذاكرة. تقول إنّ التاريخ الحقيقي للمنطقة أعمق من الحدود الاستعمارية، وأكبر من السرديات المؤقتة. وأنّ تلمسان لم تكن يوما مدينة بعيدة عن المغرب، بل كانت إحدى حدائق روحه الكبرى، حيث عبر الأدارسة والعلويون والمتصوفة، وحيث كانت اللغة العربية تسقى من حبر تلمسان كجوهرة العلم, ومن حبر القرويين، وحيث ظلّت البيعة للمغرب محفوظة في قلوب العلماء، حتى بعدما حاولت المدافع الفرنسية أن تغيّر شكل الخرائط… لكنها عجزت عن تغيير ذاكرة الأرض.

📲 Partager sur WhatsApp

3 thoughts on “تلمسان في حضرة المغرب: وثيقة من نار ونور

  1. مهل تصمد هذه الوثائق في زمن يشهد على أن مختلف الحروب والصراعات بين الشعوب ، هي صنيعة الغرب الاستعماري، مزق الأرض وما ومن عليها، وهيمن على الأمم المتحدة، و خلق مسرحيات الجلسات الى ما لا نهاية، ولا يبريد الاغتراب بفعلته ورد الحق الى اهله، بل شركاته متعددة الجنسيات حولت الحروب الى سوق لتجارة وساءل القتل ةالدمار وتشريد الشعوب.

  2. بعيدا عن حساسيات السياسة المعاصرة، فإنّ الوثائق المرتبطة بتلمسان والمولى عبد الرحمان تكشف حقيقة تاريخية يصعب إنكارها: المغرب الكبير في القرن التاسع عشر لم يكن يعيش بمنطق الحدود الوطنية الحديثة، بل ضمن فضاء حضاري وروحي متداخل، تتحرك داخله البيعة والزوايا والعلماء والقبائل بحرية تفوق حركة الجيوش نفسها.
    كانت تلمسان وفاس أقرب إلى مدينتين داخل المجال الثقافي ذاته، لا يفصل بينهما سوى تعاقب الدول وتبدل موازين القوة

  3. ومن يقرأ تاريخ تلمسان بإنصاف، يكتشف أنها لم تكن هامشا معزولا، بل إحدى العواصم الكبرى للمجال المغربي الإسلامي، تتقاطع فيها طرق العلم والتصوف والتجارة، وتتشابه مع فاس في العمران والفقه واللغة والروح. لذلك تبدو كثير من وثائق تلك المرحلة أقرب إلى شهادة على وحدة حضارية عميقة، لا إلى مجرد تحالف سياسي عابر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *