بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
ليست الصواريخ التي تعبر سماء البحر الأحمر أخطر ما في المشهد، بل الخرائط التي يعاد رسمها بصمت خلف دخانها. فالحروب الحديثة تبدأ عندما تتغير وظيفة الجغرافيا. واليمن لم يعد مجرد ساحة نزاع محلي، كما أن البحر الأحمر لم يعد ممرا للملاحة فقط، وباكستان لم تعد ذلك اللاعب البعيد الذي يراقب الشرق الأوسط من وراء جبال هندوكوش. نحن أمام لحظة يتغير فيها تعريف الأدوار، وتنتقل فيها الدول من هامش المسرح إلى قلبه دون أن تطلق رصاصة واحدة. لم تكن الضربات الحوثية الأخيرة على الأراضي السعودية حدثا عسكريا معزولا، بل رسالة استراتيجية موجهة إلى منظومة كاملة من التحالفات. فكل صاروخ ينطلق من اليمن لا يبحث فقط عن هدف داخل المملكة، وإنما يختبر صلابة شبكة الأمن الإقليمي بأكملها. وفي هذا الامتحان الصعب تجد باكستان نفسها أمام معضلة لم تصنعها، لكنها قد تضطر إلى دفع ثمنها. للوهلة الأولى تبدو إسلام آباد بعيدة عن ميدان الاشتباك، غير أن السياسة الدولية لا تقيس المسافات بالكيلومترات، بل بالالتزامات. فمنذ توقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع المملكة العربية السعودية تحولت العلاقة بين البلدين من شراكة تقليدية إلى معادلة أمنية متشابكة. ولم يعد وجود آلاف العسكريين الباكستانيين على الأراضي السعودية مجرد تعاون دفاعي، بل أصبح جزءا من معمار ردع إقليمي يمكن أن يتحول في أيّ لحظة إلى التزام ميداني.
هنا تتجلى المفارقة التي تواجهها الدّولة الباكستانية. فهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي، والجيش الذي راكم خبرة طويلة في مكافحة التمرد والإرهاب، وفي الوقت ذاته تحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران، الدولة المجاورة التي ترتبط معها بحدود طويلة ومصالح أمنية واقتصادية معقدة. ولذلك فإن أيّ انفجار بين الرياض وطهران لا يضع باكستان أمام خيار سياسي فحسب، بل أمام معادلة وجودية تمسّ أمنها الداخلي واستقرارها الإقليمي. لقد نجحت إسلام آباد خلال الأشهر الماضية في تقديم نفسها وسيطا مقبولا بين واشنطن وطهران، وهو دور منحها مكانة دبلوماسية غير مسبوقة منذ سنوات. غير أن الوسيط يفقد قيمته بمجرد أن يصبح طرفا في النزاع. ومن هنا تبدو الضربات الحوثية أشبه بفخ استراتيجي، لأنها تهدد بتحويل الدولة التي كانت تجلس على طاولة الوساطة إلى دولة تجلس داخل غرفة العمليات.
لكن قراءة المشهد من زاوية باكستان وحدها تظل قراءة ناقصة. فاليمن اليوم لم يعد مجرد جبهة جنوبية للمملكة العربية السعودية، بل أصبح عقدة تتقاطع عندها مشاريع القوى الإقليمية والدولية. فمن يسيطر على معادلات البحر الأحمر لا يتحكم في مضيق بحري فحسب، بل يمتلك قدرة على التأثير في تجارة الطاقة العالمية، وفي سلاسل الإمداد، وفي تكلفة الاقتصاد الدولي بأسره. ولهذا فإن اليمن لم يعد هامشا جغرافيا، بل تحول إلى مركز ثقل جيواستراتيجي تتقاطع عنده مصالح واشنطن وبكين وموسكو وطهران والرياض. وفي هذا السياق لا يمكن فهم الحوثيين باعتبارهم مجرد جماعة مسلحة تخوض حربا مع السعودية. لقد أصبحوا رقما في معادلة الردع الإقليمية. فكلما ازدادت قدرتهم على تهديد العمق السعودي، ازدادت قيمة الورقة اليمنية في حسابات طهران. ولم يعد السؤال يدور حول حجم القوة العسكرية للحوثيين، بل حول القيمة السياسية التي يمنحها استمرار وجودهم ضمن شبكة النفوذ الإيراني.

أما باكستان، فهي تدرك أن دخولها أي مواجهة مباشرة سيحمل أثمانا تتجاوز الميدان العسكري. فاقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على تحويلات ملايين العمال في الخليج، كما أن أمنها الطاقوي مرتبط بالنفط القادم من المنطقة، فضلا عن حاجتها المستمرة إلى الدعم المالي الخليجي. وفي المقابل لا تستطيع تجاهل إيران، ليس فقط لأنها دولة جارة، بل لأن أي اضطراب داخلها قد يمتد بسهولة إلى إقليم بلوشستان المنقسم بين البلدين، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الانقسامات المذهبية والشبكات المسلحة. لهذا تبدو السياسة الباكستانية وكأنها تسير فوق حبل مشدود بين جبلين. خطوة زائدة نحو الرياض قد تفقدها طهران، وخطوة نحو طهران قد تهز ثقة الخليج بها. أما البقاء في المنتصف فقد يصبح مستحيلا إذا اتسعت رقعة الحرب.
إن ما يلفت الانتباه في هذه الأزمة ليس احتمال اندلاع مواجهة شاملة، بل تغير طبيعة النظام الإقليمي نفسه. فالشرق الأوسط يدخل مرحلة لم تعد فيها التحالفات ثابتة كما كانت خلال العقود الماضية. الولايات المتحدة تعيد توزيع أولوياتها، والقوى الإقليمية تبحث عن ترتيبات أمنية جديدة، بينما تتحول الدول المتوسطة، مثل باكستان وتركيا، إلى لاعبين تزداد أهميتهم كلما تراجعت قدرة القوى الكبرى على فرض الاستقرار. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت باكستان ستشارك في الحرب، بل بما إذا كانت قادرة على الاستمرار في سياسة التوازن التي أتقنتها لعقود. فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي تقف عند تقاطع الزلازل الجيوسياسية لا تختار دائما توقيت دخولها الصراع، بل كثيرا ما يختارها الصراع بنفسه.
أما اليمن، ذلك البلد الذي ظنه كثيرون هامشا منسيا، فقد تحول مرة أخرى إلى مرآة تكشف تحولات الإقليم كله. فمن جباله الوعرة وسواحله الممتدة على البحر الأحمر تصعد اليوم إشارات تعيد تشكيل خرائط النفوذ، وتختبر صدقية التحالفات، وتعيد تعريف مفاهيم الأمن الجماعي. ولم تعد الحرب فيه شأنا يمنيا، بل لغة تتحدث بها الجغرافيا مع السياسة، وتكتب بها القوى الإقليمية مستقبل المنطقة. وفي عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة العواصم على التكيف، تبدو باكستان وكأنها تقف أمام امتحان تاريخي بالغ التعقيد. فإما أن تنجح في الجمع بين التزاماتها الأمنية ومصالحها الاستراتيجية ودورها الدبلوماسي، وإما أن تجد نفسها وقد انتقلت، دون رغبة منها، من موقع الوسيط إلى موقع المقاتل، ومن هندسة التوازن إلى إدارة الفوضى. وهكذا لا تبدو الأزمة مجرد تبادل للصواريخ بين اليمن والسعودية، بل بداية فصل جديد في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فصل قد لا يكون عنوانه الحرب، وإنما إعادة توزيع القوة، وإعادة تعريف الحلفاء، وإعادة كتابة الجغرافيا السياسية بلغة لا تعترف بالحدود التقليدية، حيث تصبح دولة في جنوب آسيا جزءا من معركة تولد على ضفاف البحر الأحمر، وتمتد ظلالها إلى الخليج، ثم تعود أصداؤها إلى جبال بلوشستان وسهول البنجاب.
📲 Partager sur WhatsApp