بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
لم يكن ذلك اليوم يوما عاديا يعبر في دفتر الزمن كما تعبر سائر الأيام، بل كان يوما بدا وكأن التاريخ قد توقف عنده ليعيد كتابة نفسه بحبر من الضوء. كانت السماء ممدودة فوق الناظور كسقف من البلور الأزرق، وكانت الشمس تخرج من بين الغيوم ببطء الملوك وهم يدخلون عواصمهم بعد انتصار طويل، بينما كانت الريح تمر بين المباني الجامعية وكأنها تقرأ على الجدران تعاويذ المعرفة الأولى. حتى الأشجار الواقفة عند مداخل الكلية متعددة التخصصات بدت وكأنها تخلع جذورها من باطن الأرض لتصفق للأفق الجديد، وأحس كل من وطئت قدماه المكان أن الأرض نفسها تغير إيقاع نبضها، وأن الزمن لم يعد يقاس بالساعات، بل بالأحلام التي تتحول إلى واقع.
هناك، لم تكن الجدران كتلا من الإسمنت، بل بدت كأنها تحفظ في أعماقها أصوات العلماء الذين مروا من هنا، وأصداء الطلبة الذين حملوا أحلامهم على ظهور الكتب، وآمال الأمهات اللواتي انتظرن سنوات حتى يرين أبناءهن يعانقون المعرفة. وكانت الممرات تمتد كأنها شرايين مدينة من نور، بينما كانت القاعات تتهيأ لاستقبال مستقبل لم يولد بعد، وكأن الجامعة كلها تعيش لحظة ميلاد ثانية. وفي مشهد علت فيه هيبة العلم على كل شيء، وقف الأساتذة والموظفون والطلبة يحيطون بالأستاذ الدكتور علي أزدموسي، الذي أحيل على التقاعد بعد سنوات طويلة من العطاء. ولم يكن المشهد مجرد حفل تكريم، بل بدا وكأن الزمن نفسه وقف احتراما لرجل ترك في ذاكرة المؤسسة أثرا لا يقاس بالسنوات، وإنما يقاس بما غرسه من قيم وما أسهم به في بناء صرح أكاديمي ظل ينمو عاما بعد عام. وكانت الكلمات ترتفع في القاعة كما ترتفع الأدعية في ليلة مباركة، فيما اختلط التصفيق بصمت مهيب لا تعرفه إلا اللحظات التي يلتقي فيها الوفاء بالتاريخ.

ثم جاءت اللحظة التي بدت كأنها انشقاق في صفحة الكون، فأعلن عن دخول مشروع إعادة الهيكلة حيز التنفيذ، فإذا بالمشهد كله يتغير، وكأن الكلية الواحدة قد تحولت إلى مجرة كاملة تدور فيها أربعة شموس لا أربع مؤسسات فحسب. لم يكن الأمر مجرد تقسيم إداري، بل كان أقرب إلى تحول كيميائي في روح الجامعة نفسها، حيث خرجت من الجسد الواحد أربعة كيانات، لكل واحد منها شخصيته ورسالته وأفقه، لكنّها جميعا ظلت متصلة بقلب واحد يخفق باسم جامعة محمد الأول بوجدة. إن الجامعات العظيمة لا تكبر لأن مبانيها تتسع، بل لأنها تعيد اكتشاف ذاتها كلما تغير العالم. ولهذا لم يكن ميلاد الكليات الأربع حدثا إداريا عابرا، وإنما كان إعلانا عن انتقال الجامعة من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة التخصص، ومن جمع المعارف تحت سقف واحد إلى إطلاقها في فضاءات أرحب، حتى تصبح كل كلية عالما قائما بذاته، يحمل راية المعرفة في مجالها، ويصنع شخصيته العلمية الخاصة، دون أن يفقد انتماءه إلى الجسد الجامعي الكبير.
وفي أعقاب هذا الحدث، انطلق الأستاذ الدكتور ياسين زغلول، رئيس جامعة محمد الأول بوجدة، في جولة ميدانية بين أوراش المستقبل، وكأنها رحلة ربان يتفقد سفينته قبل أن تعبر محيطا جديدا. كانت خطواته تمضي بين المباني بثبات، فيما كانت الأوراش من حوله تبدو كأنها مخلوقات تستيقظ من نوم طويل، وترفع رؤوسها استعدادا للدخول في زمن آخر. وكانت أصوات آلات البناء تختلط بزقزقة الطيور، حتى يخيل للناظر أن الحديد والإسمنت قد تعلما لغة الحياة. رافقه العمداء الأربعة بالنيابة، وكأنهم حراس الجهات الأربع التي ستولد منها مرحلة أكاديمية جديدة. وكان كل مشروع يقف أمامه الرئيس أشبه بصفحة مفتوحة من كتاب المستقبل، يقرأ تفاصيلها بعين المسؤول الذي يدرك أن الجامعة ليست مباني تقام، وإنما حضارة تبنى، وأن الحجر لا يكتسب قيمته إلا حين يتحول إلى بيت للفكر، وإلى فضاء يحرر العقل من حدود المألوف.

وعندما بلغ الوفد مركز التميز، بدا المكان وكأنه قطعة انتزعت من مدينة علمية تنتمي إلى زمن لم يأت بعد. كانت القاعات تمتد في هدوء يشبه هيبة المعابد القديمة، وكانت المختبرات تلمع كأنها مرايا ترى ما لا تراه العيون، فيما بدت تجهيزاتها البيداغوجية كأنها أدوات صنعت لترويض المستقبل نفسه. وهناك، لم يكن الإنسان هو الذي يتأمل المكان، بل بدا المكان هو الذي يتأمّل الإنسان، ويسأله إن كان مستعدا لأن يصبح جزءا من الحكاية الجديدة التي تكتبها الجامعة. ثم انتقلت الجولة إلى المدرجات التي تشهد أشغال التأهيل والتجهيز، فإذا بالمطارق تعزف إيقاعا يشبه سيمفونية الميلاد، وإذا بالأسلاك الكهربائية تمتد في الجدران كأنها عروق تضخ الحياة في جسد جديد. وكان كل حجر يوضع في مكانه يبدو وكأنه حرف يضاف إلى كتاب ضخم عنوانه المستقبل، بينما كانت رائحة الطلاء الجديد تمتزج برائحة الأمل، حتى خيل للحاضرين أن المباني نفسها تتنفس.
وعند الجناح الإداري الجديد، الذي سيحتضن مصالح الإدارة ومكاتب العمداء، أكد رئيس الجامعة على ضرورة تسريع الأشغال واستكمال التجهيزات، لأن التحولات الكبرى لا تنتظر المترددين. ولم يكن حديثه عن المكاتب والأثاث حديثا عن تفاصيل تقنية، بل كان حديثا عن فلسفة في التدبير ترى أن الحكامة تبدأ من جودة الفضاء الذي يصنع القرار، وأن المؤسسة التي تحترم تفاصيلها الصغيرة تكون أقدر على صناعة إنجازاتها الكبرى. وفي كلمة حملت أبعادا تتجاوز المناسبة، أوضح الأستاذ الدكتور ياسين زغلول أن إعادة الهيكلة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لبناء مؤسسات جامعية أكثر تخصصا، وأكثر قدرة على تطوير التكوين، وتعزيز البحث العلمي، والانفتاح على محيطها الاقتصادي والاجتماعي. وهي رؤية تنطلق من أن الجامعة الحديثة لا تكتفي بمنح الشهادات، بل تصنع المعرفة، وتنتج الحلول، وتسهم في التنمية، وتؤسس لاقتصاد يقوم على الابتكار والعقل.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى ما تشهده جامعة محمد الأول بوجدة بوصفه تحولا في فلسفة المؤسسة الجامعية نفسها. فالجامعة ليست مجموعة بنايات متجاورة، ولا مجرد فضاء لتلقي الدروس، وإنما هي كائن حضاري ينمو كلما اتسعت قدرته على إنتاج الأفكار وربطها بحاجات المجتمع. وكلما ازداد التخصص رسوخا، ازدادت المعرفة عمقا، واتسعت إمكانات البحث، وازدادت الجامعة قدرة على المنافسة والانفتاح والإشعاع. ولذلك، فإن الناظور لا تشهد اليوم مجرد توسع عمراني داخل حرم جامعي، وإنما تشهد إعادة تشكيل لخريطة المعرفة في الجهة الشرقية. فالمكان الذي كان يجمع تخصصات متعددة تحت سقف واحد، أصبح يتهيأ لأن يتحول إلى منظومة أكاديمية متكاملة، تتوزع فيها المسؤوليات، وتتخصص فيها الرؤى، وتتضاعف فيها فرص الإبداع، بما يجعل كل كلية قادرة على رسم هويتها العلمية، وفي الوقت نفسه تبقى جزءا من المشروع الاستراتيجي الكبير الذي تقوده جامعة محمد الأول بوجدة.

ومع انتهاء الجولة، لم يغادر الحاضرون المكان كما دخلوه. كان في الوجوه شيء يشبه الضوء، وفي العيون شيء يشبه اليقين، وكأن الجميع أدرك أن الجامعات لا تولد دفعة واحدة، وإنما تولد كلما اجتمع الحلم بالإرادة، والرؤية بالفعل، والعلم بالعمل. وحين يسجل المؤرخون ما جرى في الناظور خلال صيف سنة 2026، فلن يكتبوا فقط أنّ كلية متعددة التخصّصات أصبحت أربع كليات مستقلة، بل سيكتبون أن الجامعة اختارت في تلك اللحظة أن تعيد تعريف نفسها، وأن تجعل من التخصّص جسرا نحو مزيد من التميز، ومن التخطيط بوابة نحو المستقبل، وأن تؤكد مرة أخرى أن جامعة محمد الأول بوجدة تمضي في مسار يروم تعزيز مكانتها العلمية والأكاديمية، وترسيخ حضورها بوصفها أحد أهم الفضاءات الجامعية في الجهة الشرقية، وحاضنة للمواهب، ومنارة للعلم، وورشة مفتوحة لا يتوقف فيها المستقبل عن التشكل.
📲 Partager sur WhatsApp