الفصل الساس من هارون الرشيد بين التاريخ والحكاية: المدينة التي كتبت ألف ليلة وليلة بلسانها
بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
هارون الرشيد واحد من تلك الشخصيات الأدبية التي تستولي على الأضواء إلى درجة تجعلنا ننسى المسرح الذي وقفت عليه. لقد انشغل القراء، منذ قرون، بالرجل الذي كان يخرج ليلا متنكرا، حتى غفلوا عن الحقيقة الكبرى: أن البطل الحقيقي في ألف ليلة وليلة ليس الخليفة، وإنما المدينة. فلو حذفنا هارون الرشيد من بعض الحكايات، لاستطاعت أن تجد بطلا آخر. أما لو حذفنا بغداد، لانطفأت الحكايات كلها. لأنّ المدن، مثل النجوم، لا يراها الناس دائما، مع أنها هي التي تمنح الضوء لكل ما يدور حولها.
إن بغداد في ألف ليلة وليلة ليست مكانا تجري فيه الأحداث. بل هي الكائن الذي يصنعها. ليست خلفية للمشهد. بل هي المشهد نفسه. إنّها لا تشبه المدن التي يعرفها الجغرافيون، ولا المدن التي يرسمها الرحالة. إنّها مدينة تتنفس. تفرح. وتحزن. وتغوي. وتخدع. وتعاقب. وتكافئ. مدينة إذا أغمضت عينيك، سمعت أصواتها قبل أن ترى شوارعها. تسمع وقع أقدام السائرين فوق جسور دجلة. وصياح الباعة في الأسواق. وصليل النحاس في دكاكين الصنّاع. وهمس العشّاق خلف المشربيات. وصوت قارئ القرآن عند الفجر. ثم لا يلبث أن يختلط ذلك كله بأنغام العود، وضحكات الندماء، وأحاديث التجار القادمين من أقصى الشرق. هكذا لا تصبح المدينة فضاء. بل تصبح إيقاعا.
وليس من قبيل المصادفة أن أغلب حكايات الرشيد تبدأ بخروج. الخروج من القصر إلى المدينة. فالقصر، في منطق الحكاية، مكان مغلق. أمّا المدينة، فهي النص المفتوح. في القصر، يعرف الخليفة كل الوجوه. أمّا في بغداد، فلا يعرف أحدا. وهنا تبدأ المعرفة. إنّها مفارقة تكاد تكون فلسفية. فالسلطة لا تكتشف حقيقتها وهي داخل السلطة. بل تكتشفها حين تخرج منها. ولهذا، فإنّ الرشيد لا يخرج ليبحث عن مغامرة. بل ليقرأ المدينة. كان دجلة كتابه. وكانت الأزقة هوامشه. وكان البشر صفحاته.
ولعل أجمل ما في بغداد ألف ليلة وليلة أنها لا تميز بين العظيم والصغير. فالوزير يمكن أن يلتقي حمّالا. والتاجر قد يصبح جليس شاعر. والجارية قد تعلم الخليفة درسا في الحكمة. والفقير قد يكون أكثر غنى من الأغنياء. إنها مدينة تهدم الجدران التي تبنيها السياسة. ولهذا، كانت صالحة للأدب. فالأدب لا يحب الطبقات المغلقة. إنه يحب الاختلاط. لأن الحكاية لا تولد إلا حين يتقاطع مصيران لم يكن ينبغي لهما أن يلتقيا. ولو تأملنا الأمر من زاوية أعمق، لاكتشفنا أن بغداد لم تكن مجرد مدينة عباسية. كانت صورة مصغرة للعالم. ففيها العربي والفارسي. والهندي. والرومي. واليهودي. والمسيحي. والمسلم. وفيها الفقيه. والطبيب. والمنجم. والموسيقي. والتاجر. والبحّار. والصعلوك. وكأن الحضارة كلها قررت أن تستقر على ضفتي دجلة. ومن هذا التنوع الهائل، ولدت ألف ليلة وليلة. فالحكاية، مثل النهر، لا تعيش إذا انقطع عنها الروافد.
ولهذا أيضا، لم يكن هارون الرشيد هو الذي يمنح بغداد عظمتها. بل كانت بغداد هي التي تمنحه حضوره. إنه، في كثير من الحكايات، لا يفعل أكثر من الإصغاء. والمدينة هي التي تتكلم. هي التي ترسل إليه الحمال، والعاشق، والمحتال، والغريب، والمتصوف، والمغنية، والبحار، واليتيم. وكل واحد منهم يحمل قطعة من روحها. فالخليفة ليس سوى القارئ الأول. أما المؤلف الحقيقي، فهي المدينة. ومن هنا، نفهم لماذا لم تستطع أي مدينة عربية أخرى أن تحل محل بغداد في وجدان ألف ليلة وليلة. لأن بغداد لم تكن اسما جغرافيا. كانمجازا كبيرا. مجاز للعصر الذي بلغ فيه الخيال العربي ذروة ثقته بنفسه. العصر الذي كان يعتقد أن العالم يمكن أن يجتمع في مدينة واحدة. وأن جميع الحكايات يمكن أن تبدأ من باب واحد. هو باب بغداد.
وليس غريبا، بعد ذلك، أن يختلط التاريخ بالحلم. فالمدينة العظيمة لا تعيش في الخرائط وحدها. إنها تعيش في الذاكرة. والذاكرة لا تحفظ عدد الجسور، ولا مساحة الأسواق، ولا أسماء الأحياء. إنها تحفظ الرائحة. والصوت. والنور. والدهشة. ولهذا، فإن بغداد التي بقيت في وجدان الإنسانية ليست بغداد الآثار. ولا بغداد السلاطين. بل بغداد الحكاية. وحين ننتهي, قارئي العزيز, من قراءة ألف ليلة وليلة، يخيل إلينا أننا خرجنا من مدينة حقيقية. مدينة زرنا أسواقها. وعبرنا جسورها. وشربنا من دجلة. وجلسنا مع ناسها. ثم نكتشف أن المدينة التي أحببناها لم تكن حجارة. كانت لغة. وكان هارون الرشيد، بكل ما أحاطه من مجد أدبي، مجرد أحد سكانها الكبار. أما البطلة التي كانت تدير المسرح من وراء الستار، فهي بغداد. المدينة التي لم تكتب ألف ليلة وليلة عنها. بل كتبت ألف ليلة وليلة بها. وذلك هو الفارق بين المكان الذي يحتوي الحكاية، والمكان الذي يصبح هو الحكاية نفسها. ولعلّ هذه هي المعجزة التي حققتها بغداد في الأدب. لقد خرجت من حدود الجغرافيا، ودخلت حدود الخلود. ومنذ ذلك الحين، لم تعد مدينة على ضفاف دجلة فحسب. بل أصبحت اسما آخر للمخيلة الإنسانية، كلما أرادت أن تكتب مدينة لا تنفد حكاياتها.
يتبع…
📲 Partager sur WhatsApp