بقلم: ذ. عبد الرحمن مكاوي– باريس
لم يعد البرنامج النووي الإيراني مجرد مجموعة من المنشآت الصناعية المتفرقة، بل تحول خلال العقدين الأخيرين إلى منظومة دفاعية متكاملة صُممت وفق فلسفة عسكرية تقوم على مبدأ الاستمرارية تحت القصف، لا على منع الاستهداف بصورة مطلقة. وفي قلب هذه المنظومة تقف سلسلة جبال زاغروس، التي وفرت لإيران ما يشبه “القلعة الطبيعية” التي تجمع بين العمق الجغرافي، والحماية الهندسية، والارتباط المباشر بالبنية الصاروخية للحرس الثوري. فالاختيار الإيراني لزاغروس لم يكن قرارا هندسيا فحسب، وإنما خيارا استراتيجيا يستند إلى معادلة واضحة: كلما ازدادت المنشآت عمقا وتشابكت مع شبكة الأنفاق والتحصينات، ارتفعت كلفة أي عملية عسكرية تستهدفها، وازدادت فرص استمرار البرنامج حتى بعد التعرض لضربات واسعة.
أولا: فوردو… القلب الأكثر تحصينا
تعد منشأة فوردو، الواقعة تحت جبل قرب مدينة قم، أكثر المواقع النووية الإيرانية تحصينا وأشدها حساسية. وقد شيدت داخل كتلة صخرية عميقة، بما يجعل استهدافها تحديا عسكريا معقدا حتى باستخدام الذخائر الخارقة للتحصينات. وتستخدم المنشأة في عمليات تخصيب اليورانيوم، مع تشغيل أجهزة طرد مركزي متطورة، بينما تحيط بها منظومة دفاعية متعددة الطبقات تضم قوات من الحرس الثوري وشبكات دفاع جوي بعيدة المدى. ولذلك ينظر إليها العديد من المحللين باعتبارها “شبكة الأمان” التي تضمن استمرار جزء من قدرات التخصيب حتى في حال تعرض منشآت أخرى لأضرار جسيمة.
ثانيا: نطنز… العمود الفقري للبنية النووية
تمثل نطنز أكبر مركز معروف لتخصيب اليورانيوم في إيران، وتضم منشآت فوق الأرض وأخرى محصنة تحتها. وقد شهد الموقع خلال السنوات الماضية أعمال تطوير مستمرة لتعزيز مستوى الحماية، خاصة بعد عمليات التخريب التي استهدفته في عامي 2020 و2021. ولا تكمن أهمية نطنز في حجم منشآتها فحسب، بل في كونها تمثل مركزا رئيسيا للبنية الصناعية الخاصة بالتخصيب، الأمر الذي يجعلها هدفاً دائماً في أي تقدير عسكري يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
ثالثا: أصفهان… العقدة الصناعية للبرنامج
يشكل مجمع أصفهان حلقة محورية في دورة الوقود النووي، إذ تجرى فيه عمليات تحويل اليورانيوم إلى مركبات تستخدم لاحقا في مراحل التخصيب، إضافة إلى احتضانه أنشطة صناعية مرتبطة بالمعدات النووية. وتنبع أهمية الموقع من كونه يمثل أحد المراكز الصناعية الأساسية التي تدعم بقية المنشآت، ما يجعل استمرار عمله عاملا مهماً في الحفاظ على ترابط منظومة البرنامج النووي.
رابعا: بارشين… الموقع الأكثر إثارة للجدل
يظل مجمع بارشين العسكري واحدا من أكثر المواقع إثارة للنقاش الدولي. فقد أشارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقارير سابقة إلى وجود مؤشرات وأنشطة يشتبه في ارتباطها بأبحاث ذات صلة بالتفجيرات شديدة الانفجار، بينما تؤكد إيران أن الموقع ذو طبيعة عسكرية تقليدية وتنفي وجود أنشطة نووية غير معلنة فيه. وبغض النظر عن تباين المواقف، فإن بارشين يحتفظ بمكانة خاصة ضمن البنية العسكرية الإيرانية، نظرا لإدارته من قبل وزارة الدفاع وارتباطه ببرامج بحثية عسكرية.
خامسا: أراك والبنية الصاروخية في غرب إيران
تضم منطقة أراك منشآت معروفة مرتبطة بالماء الثقيل، كما ترتبط المناطق الجبلية في غرب إيران بشبكة واسعة من المنشآت العسكرية والأنفاق التي تشير تقارير مفتوحة المصدر إلى استخدامها في دعم القدرات الصاروخية الإيرانية. ويمثل هذا الترابط بين المنشآت النووية والبنية الصاروخية أحد أبرز ملامح العقيدة الدفاعية الإيرانية، إذ يُنظر إلى كل منهما باعتباره مكملاً للآخر ضمن منظومة الردع الشاملة.
عقيدة الحرس الثوري: الدفاع متعدد الطبقات
تعتمد إيران في حماية منشآتها الحساسة على مفهوم دفاعي يقوم على تعدد مستويات الحماية، بحيث لا يعتمد أمن المنشأة على وسيلة واحدة، وإنما على مجموعة من الإجراءات العسكرية والهندسية والأمنية. وتبدأ هذه المنظومة بالردع الاستراتيجي الذي يستند إلى القدرات الصاروخية بعيدة المدى، ثم تنتقل إلى شبكات الدفاع الجوي بعيدة المدى، يتبعها التحصين الهندسي داخل الكتل الصخرية والأنفاق، ثم وسائل الدفاع الجوي القصير المدى والحرب الإلكترونية، وصولا إلى الإجراءات الأمنية الداخلية التي تشمل الرقابة المشددة على العاملين وحماية المواد والمنشآت. وتقوم هذه الفلسفة على افتراض أن أي هجوم قد ينجح في إحداث أضرار، لكنه لن يتمكن بسهولة من شل المنظومة بأكملها أو إنهاء قدراتها بصورة فورية.
قراءة استراتيجية
تكشف البنية الدفاعية الإيرانية أن الهدف لم يكن بناء منشآت محصنة فحسب، بل إنشاء منظومة قادرة على امتصاص الضربات والمحافظة على الحد الأدنى من القدرة التشغيلية. فجبال زاغروس ليست مجرد غطاء جغرافي، وإنما عنصر أساسي في معادلة الردع الإيرانية، حيث تمتزج الطبيعة بالهندسة العسكرية في إطار استراتيجية تهدف إلى رفع كلفة أي عمل عسكري محتمل. وفي المقابل، لا تعني التحصينات أن هذه المنشآت بمنأى عن المخاطر، إذ إن التطورات المستمرة في تقنيات الاستهداف والهجمات السيبرانية ووسائل التخريب تجعل معادلة الأمن والهجوم في حالة تغير دائم. ومن ثم، فإن تقييم فعالية هذه التحصينات يظل رهنا بالظروف العملياتية والتقنيات المستخدمة في أي مواجهة مستقبلية، وليس حكما ثابتا أو مطلقا.
أصبحت جبال زاغروس، بما تحتضنه من منشآت وأنفاق وبنية دفاعية، أحد أهم مرتكزات الأمن القومي الإيراني. فهي تمثل في الرؤية العسكرية الإيرانية عمقا استراتيجيا يهدف إلى ضمان استمرارية القدرات النووية والعسكرية وتقليص أثر أي ضربة محتملة، أكثر من كونها حصنا لا يمكن اختراقه. وبذلك، فإن فهم البرنامج النووي الإيراني لا يكتمل بالنظر إلى أجهزة الطرد المركزي أو المفاعلات وحدها، بل يتطلب إدراك البيئة العسكرية التي صيغت فيها، حيث تتداخل الجغرافيا، والهندسة، وعقيدة الردع، والسياسة الإقليمية في معادلة واحدة جعلت من زاغروس أحد أكثر الأقاليم العسكرية حساسية في الشرق الأوسط.
📲 Partager sur WhatsApp