حين أخطأت الجدة الطفل… ولم يخطئ القلب حفيده

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

في بلجيكا، خرجت جدة من حضانة وهي تدفع عربة طفل ليس حفيدها. لم تكن تخطط لخطف أحد، ولم تكن بطلة رواية بوليسية، ولم تكن حتى ضحية زهايمر كما سارع البعض إلى التهكم. لقد أخطأت فقط. وحين اكتشفت أن الطفل ليس حفيدها، عادت به على الفور. انتهت الحكاية في دقائق، لكن الأسئلة التي تركتها تحتاج ربما إلى قرون. الحضانة أعلنت أنها ستشدد إجراءات التحقق من الهوية. وهذا طبيعي. فالدول الحديثة لا تثق في الذاكرة، بل في الوثائق. ولا في الحنان، بل في الباركود.

لكنني، وأنا أقرأ الخبر، لم أتوقف عند الطفل الذي عاد إلى حضن والديه، بل عند الجدة نفسها. تساءلت: متى أصبحت الجدة موضع مساءلة أكثر من كونها موضع احتفاء؟ ومتى تحول ذلك الكائن الذي كان يحفظ أسماء الأحفاد وروائحهم وبكاءهم إلى مجرد شخص مسن يحتاج إلى التحقق من هويته؟ لسنا هنا أمام حادثة حضانة، بل أمام استعارة كبرى. فالجدّة لم تخطئ الطفل وحده، بل أخطأت زمنا بأكمله. زمنا صار الأطفال فيه يشبهون بعضهم لأنّهم جميعا يرضعون الحليب نفسه، ويأكلون الشوكولاتة نفسها، ويغرقون في السّكر نفسه، ويكبرون داخل مصانع النكهات أكثر مما يكبرون داخل مطابخ الجدات.

لا أملك دليلا علميا على أن العسل الذي نشتريه صار عسلا بالإسم فقط، أو أن نوتيلا أصبحت مرآة لعصر الكيمياء أكثر منها مرآة للبندق، لكنني أعرف أن الإنسان الحديث يأكل أشياء كثيرة لا يعرف أسماءها، ويثق في ملصقات أكثر مما يثق في حواسه. ربما لهذا السبب تشابه الأطفال. فالذي يتغذى من المصنع، ينتهي إلى نسخة من المصنع. أما طفل الأمس، فقد كان يحمل بصمة خبز الفرن، ورائحة زيت الزيتون، ودفء العسل الذي كانت الجدة تعرف من أي جبل جاء، ومن أي زهرة ارتشفه النحل. كانت تعرفه كما تعرف أبناءها. لم تكن بحاجة إلى مختبر، لأن القلب كان مختبرها الأول.

ولعلّ أكثر ما يثير الضحك في الخبر أن المسؤولين قالوا: “كنا نظن أن الجدة ستتعرف إلى حفيدها.” يا لها من جملة مضحكة ومبكية في آن. الجدة لا تتعرف إلى حفيدها بعينيها فقط. إنها تتعرف إليه بارتعاشة صوته، بطريقة بكائه، وبالرائحة التي لا تستطيع أي كاميرا أن تلتقطها. لكن الزمن خان الجدّات. ضعف البصر ليس أكبر مصائب الشيخوخة، بل ضعف حضورهن في حياتنا. لقد أخرجناهن من مركز العائلة، ثم استغربنا أن تضعف ذاكرتهن. أيّ ذاكرة تبقى حية إذا لم تستعمل؟ وأي قلب يظل يقظا إذا لم يجد من يحتاج إليه؟

في المغرب، ما زلنا نتغنى باحترام الكبير، لكنّنا غالبا نحوله إلى قطعة أثاث نبيلة. نمنحه أفضل الدعوات، وأسوأ الأدوار. نجلسه في صدر المجلس، ثم نسحب منه الحياة كلّها. نحتفل بعيد الأم، وننسى أن الأم تريد حفيدا يوقظها صباحا أكثر مما تريد باقة ورد. لقد اخترعنا نوعا جديدا من البر: بر لا يزعج كبار السن بأي مسؤولية. كأننا نقول لهم: شكرا لأنكم ربيتمونا… والآن، اجلسوا بهدوء في انتظار النهاية. أي قسوة مهذبة هذه؟ لو عاد الجاحظ بيننا، لضحك حتى تسقط عمامته. سيكتب فصلا جديدا في “كتاب البخلاء”، لا عن بخل الناس بالدراهم، بل عن بخلهم بالأدوار. سيقول إنّنا نبخل على الجدات حتى بحقهن في أن يخطئن. ومن يدري؟

ربما كانت تلك الجدة أكثر إنسانية منا جميعا. لقد أخطأت طفلا لأنّها ما زالت تؤمن أنّ كل الأطفال يستحقون أن يحتضنهم أحد. أمّا نحن، فأصبحت قلوبنا دقيقة إلى درجة أنّها لا ترى إلا أبناءها، ولا تسمع إلا أسماءها، ولا تعترف إلا بما تؤكده الهوية. الحداثة جعلتنا أكثر دقة، لكنّها لم تجعلنا أكثر دفئا. ولعل الفيلسوف كان سيهمس لنا بأن الحضارات ليست بسرعة التعرف إلى الأشخاص، بل بقدرتها على الاحتفاظ بالحنان. فالكمبيوتر لا يخطئ في التعرف إلى الوجوه، لكنه لا يستطيع أن يكون جدا.

ليست المشكلة أنّ الجدّة أخذت الطفل الخطأ، بل أنّ مجتمعا بأكمله أخذ الطريق الخطأ. صدق أنّ التكنولوجيا تستطيع أن تعوض الذاكرة، وأنّ دور المسنين هو أن يجلسوا في مقاعد الانتظار، بينما الحقيقة أنّ الأسرة التي تبعد أجدادها عن تفاصيل الحياة اليومية تشبه شجرة تقطع جذورها ثم تستغرب لماذا جفت أوراقها. ربما أعادت الجدة الطفل بعد دقائق، لكن من يعيد إلى الجدات مكانتهن بعد سنوات من الإقصاء الصامت؟ ذلك هو السؤال الحقيقي… أمّا الطفل، فقد عاد إلى بيته. لكن هل ستعود الأسرة الحديثة إلى بيتها الأول، حيث كانت الجدة ليست مجرد زائرة، بل قلب البيت الذي لا يخطئ الطريق؟

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “حين أخطأت الجدة الطفل… ولم يخطئ القلب حفيده

  1. مقال الجدة، يدخل في أفق الانشغال بعصر ن- ما الذي اكتسحته التقنية في مختلف مناحي العالم الذي نوجد فيه بالقوة. عصر يمشي بمن على كوكب الأرض صوب التشابه أو التنميط l’uniformisme : العالم يريد الجميع أن يتعشعش niche بنفس النمط في الوجود، أي ” أن تكون كاءنا مندمجا في منظومة الاستهلاك، أنت موجود”.
    من هنا كانت الإشارة إلى أن الخطأ ليس في الجدة، بل في” الطريق” بمعنى أسلوب كتابة التجربة الوجودية في الزمن المعاصر. المسألة ليس مسألة أشخاص، بل مسألة عصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *