بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية-باريس
إنّ الدول الكبرى هي التي تعرف كيف تحول الأفكار إلى عقائد، والشعارات إلى سياسات، والخطابات إلى أدوات لإعادة تشكيل الداخل والخارج في آن واحد. ففي عالم السياسة، لا تبدأ التحولات الكبرى بإطلاق الصواريخ دائما، وإنما تبدأ أحيانا بجملة واحدة، أو بخطاب يبدو للوهلة الأولى مجرد موقف عاطفي، قبل أن يتبين أنه إعلان عن ولادة مرحلة جديدة. ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة الرسائل الأخيرة المنسوبة إلى المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي باعتبارها مجرد كلمات ألقيت في جنازة والده علي خامنئي، بل باعتبارها وثيقة سياسية تؤسس لمرحلة مختلفة، قد تجعل من الثأر عقيدة حكم، ومن الانتقام فلسفة دولة، ومن الذاكرة الدامية برنامجا لإدارة الصراع في الشرق الأوسط. إن أخطر ما في الخطابات السياسية ليس ما تقوله، بل ما تؤسس له. والخطابات التي تؤسس تبقى آثارها أطول عمرا من الحروب نفسها.
عرفت الجمهورية الإسلامية منذ قيامها سنة 1979 خطابا يقوم على المقاومة، والاستقلال، ورفض الهيمنة الأجنبية، وربط السياسة بالعقيدة. لكن المرحلة الجديدة تبدو أكثر حدة. فإذا كانت الثورة الإيرانية قد جعلت من تصدير الثورة إحدى ركائزها الفكرية، فإن الخطاب الحالي يوحي بأن الانتقام نفسه بدأ يتحول إلى أحد مرتكزات الشرعية السياسية. وهنا تكمن المفارقة. فالانتقام، في المفهوم التقليدي، رد فعل. أما حين يصبح جزءا من العقيدة، فإنه يتحول إلى مشروع دائم. وهذا التحول هو الذي يستحق التوقف عنده.
لقد جاءت وفاة علي خامنئي، وفق الرواية الإيرانية الرسمية، في سياق مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الحديث مقتصرا على خسارة قائد للدولة. بل أصبح الحديث عن “المرشد الشهيد”، وهي عبارة ليست مجرد توصيف، وإنما بناء رمزي جديد يراد له أن يؤسس لذاكرة سياسية مختلفة. فالأنظمة لا تعيش بالوقائع وحدها. إنها تعيش أيضا بالرموز. وكلما نجحت السلطة في تحويل حدث معين إلى رمز جماعي، ازدادت قدرتها على توجيه الرأي العام وصناعة الإجماع الداخلي. وهذا ما يبدو أن القيادة الإيرانية الجديدة تحاول بناءه. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالولايات المتحدة، ولا بإسرائيل، ولا حتى بحدود الرد الإيراني. السؤال الأكبر هو: ماذا يعني أن يصبح الثأر عقيدة دولة؟ حين ترتفع فكرة الانتقام إلى مستوى الواجب الوطني، فإنها تتجاوز بعدها العسكري. تصبح معيارا للولاء. ومقياسا للشرعية. وأداة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام نفسه. فكل من يدعو إلى التهدئة قد يتهم بالتفريط. وكل من يطالب بالحوار قد يوصف بأنه يخذل دماء الشهداء. وهكذا يتحول الخطاب إلى إطار مغلق يصعب الخروج منه.
ولعل البعد الداخلي لا يقل أهمية عن البعد الخارجي. فمجتبى خامنئي، رغم توليه أعلى منصب في الدولة، لا يحمل الرصيد الديني والسياسي نفسه الذي راكمه والده خلال عقود طويلة. ومن هنا، تبدو الحاجة إلى بناء شرعية جديدة أمرا ملحا. وليس هناك في الأنظمة الثورية وسيلة أسرع لتوحيد الصفوف من وجود عدو خارجي. فالخطر يوحد. والتهديد يعيد ترتيب الأولويات. والثأر يصبح لغة مشتركة بين المؤسسة العسكرية، والحرس الثوري، والتيار المحافظ، وسائر القوى التي يقوم عليها النظام. ولذلك، فإن الحديث عن إغلاق مضيق هرمز، أو توسيع ساحات المواجهة، أو تفعيل الأذرع الإقليمية، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تهديدات عسكرية. إنه جزء من معادلة أوسع. معادلة تقوم على إقناع الداخل بأن الدولة قوية، وإقناع الخارج بأن تكلفة أي مواجهة ستكون مرتفعة. فالردع لا يقوم دائما على استخدام القوة. بل يقوم أحيانا على إقناع الخصم بأن استخدام القوة سيكون مكلفا إلى حد يمنعه من الإقدام عليها. وهنا تتحول اللغة نفسها إلى سلاح.
لكن ثمة مفارقة أخرى لا تقل إثارة. فالرجل الذي يتصدر هذه المرحلة لا يكاد يظهر في المجال العام. تتوالى البيانات. وتصدر الرسائل. غير أن حضوره الشخصي يبقى محدودا. وفي الأنظمة التي ترتكز على الكاريزما، يصبح الغياب نفسه حدثا سياسيا. إذ كلما غاب الجسد، ازدادت أهمية النص. وكلما ابتعد القائد عن المنابر، أصبحت البيانات الرسمية تحمل وزنا يتجاوز مضمونها، لأنها تتحول إلى البديل الوحيد عن الحضور المباشر. غير أن التاريخ يعلمنا أن العقائد السياسية، مهما بلغت قوتها، لا تعيش في فراغ. فالجغرافيا تفرض حساباتها. والاقتصاد يفرض منطقه. والشعوب، مهما اشتد حماسها، تبقى في نهاية المطاف مطالبة بالحياة قبل أي شيء آخر. ولهذا، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس ما إذا كانت إيران قادرة على تنفيذ تهديداتها. بل ما إذا كانت قادرة على التوفيق بين منطق الثورة ومنطق الدولة. فالثورات تبنى على الشعارات. أما الدول، فتبنى على التوازنات.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة دقيقة. ليست لأنها تنذر بحرب جديدة فقط، بل لأنها قد تشهد ولادة مرحلة تتغير فيها طبيعة الصراع ذاته. فإذا تحول الثأر إلى عقيدة، والعقيدة إلى سياسة، والسياسة إلى إطار دائم لإدارة الدولة، فإن المنطقة كلها ستكون أمام معادلة مختلفة، تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية، وتمتد إلى الخليج، وبلاد الشام، والبحر الأحمر، وحتى التوازنات الدولية الكبرى. وهكذا، فإن القضية لم تعد تتعلق بشخص مجتبى خامنئي وحده، ولا بوفاة علي خامنئي، ولا حتى بالعلاقة المتوترة بين طهران وواشنطن. إنها تتعلق بسؤال أكبر وأعمق: هل نحن أمام مجرد خطاب سياسي ولد في لحظة حداد وغضب؟ أم أننا نشهد ميلاد عقيدة جديدة ستعيد رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة؟ ذلك سؤال لن تجيب عنه البيانات الرسمية. بل سيجيب عنه التاريخ.
📲 Partager sur WhatsApp