بقلم زكية لعروسي, باريس
ليست المأساة السياسية دائما أن يسقط السياسي في المحكمة؛ المأساة الحقيقية أن تصبح المحكمة نفسها جزءا من السردية السياسية. عندها لا يعود القاضي مجرد قاض، ولا يعود المتهم مجرد متهم، بل يتحول كل حكم إلى مرآة تنظر فيها الأمة إلى نفسها، وهي تتساءل: أين ينتهي القانون؟ وأين تبدأ السياسة؟ ها هي مارين لوبان تقف مرة أخرى عند مفترق لا تصنعه صناديق الاقتراع، بل تصنعه ملفات القضاء. تقول إنها لا تستطيع أن تخوض حملة انتخابية وهي تحمل سوارا إلكترونيا. ليست العبارة هنا مجرد اعتراض عملي على قيود الحركة؛ إنها استعارة سياسية كاملة. فالسوار ليس قطعة إلكترونية تثبت على الكاحل، بل صورة مكثفة لعلاقة معقدة بين الحرية الفردية، وهيبة القضاء، وحدود الديمقراطية حين تواجه من يريد الوصول إلى السلطة عبر خطاب يثير انقساما واسعا.
لعل أكثر ما يثير الدهشة أن أوروبا، التي طالما قدمت نفسها بوصفها مختبرا للديمقراطية الليبرالية، تجد نفسها اليوم أمام سؤال قديم يعود في هيئة جديدة: ماذا تفعل الديمقراطية عندما يصبح خصومها جزءا من قواعدها؟ هل تتركهم يتقدمون إلى الحكم عبر الصندوق، أم تستخدم أدوات الدولة لحماية النظام الدستوري إذا ثبتت بحقهم مخالفات جنائية؟ السؤال يبدو قانونيا، لكنه في جوهره سؤال فلسفي عمره قرون. كان أفلاطون يخشى أن تتحول الديمقراطية إلى الباب الذي يدخل منه الطغيان، لأن الحرية إذا انفلتت من كل ضابط قد تنقلب إلى نقيضها. أما كارل بوبر فحذر من “مفارقة التسامح”: إذا تسامح المجتمع بلا حدود مع من يرفضون قيمه الأساسية، فقد ينتهي الأمر بالقضاء على التسامح نفسه. لكن في المقابل، يعلمنا مونتسكيو أن استقلال القضاء ليس زينة دستورية، بل الشرط الذي يمنع السلطة السياسية من تحويل القانون إلى عصا ضد الخصوم.
وهنا تكمن المفارقة الفرنسية. فكل طرف يقرأ الحدث بعين مختلفة. أنصار لوبان يرون أن القضاء يتدخل في توقيت بالغ الحساسية، بما قد يؤثر في مسار الانتخابات المقبلة. أما خصومها فيؤكدون أن مبدأ المساواة أمام القانون يقتضي ألا يكون المرشح الرئاسي فوق المحاسبة. بين هاتين الروايتين، يقف الرأي العام أمام معضلة لا تحل بالشعارات. التاريخ يعشق هذا النوع من المفارقات. كم من زعيم خرج من قاعة المحكمة أكثر قوة مما دخلها، لأنّ أنصاره رأوا فيه ضحية لا مذنبا. وكم من سياسي ظن أن الشعب سينقذه من القضاء، فاكتشف أنّ الديمقراطية لا تمنح حصانة من الأحكام. لهذا تبدو السياسة أحيانا ككاتب ساخر يهوى إعادة كتابة النهايات بطريقة لا يتوقعها أحد.

وليس من قبيل المصادفة أن تتكرر هذه المشاهد في أكثر من بلد. ففي العقود الأخيرة، أصبحت العلاقة بين القضاء والسياسة إحدى أكثر القضايا حساسية في الديمقراطيات الغربية. فكلّما اشتد الاستقطاب، ازدادت الأحكام القضائية تعرضا للتأويل السياسي، حتى صار السؤال المطروح ليس فقط: “هل الحكم قانوني؟” بل أيضا: “كيف سيقرأ سياسيا؟” وربما لهذا السبب تبدو عبارة لوبان عن السوار الإلكتروني أكبر من مجرد ملاحظة عملية. إنها تعيد تعريف الحملة الانتخابية باعتبارها فضاء لا يحتمل القيود. لكن من جهة أخرى، يرد مناصرو استقلال القضاء بأن تطبيق العقوبات، متى أصبحت نهائية وفق القانون، لا ينبغي أن يتوقف لأن صاحبها شخصية عامة أو مرشح محتمل. وبين المنطقين تتولد المأساة الديمقراطية: كيف نحمي المساواة أمام القانون دون أن نغذي خطاب الضحية الذي قد يمنح صاحبه قوة سياسية إضافية؟
هنا يتسلل سؤال آخر، أكثر إزعاجا: هل التطرف يستدعي تطرفا مضادا؟ التاريخ لا يقدم جوابا واحدا. لقد شهدت أوروبا القرن العشرين كيف يمكن للأفكار المتشددة أن تستفيد من أخطاء خصومها بقدر ما تستفيد من قوتها الذاتية. وفي المقابل، تعلمت الديمقراطيات الأوروبية أن حماية المؤسسات لا تعني التخلي عن الضمانات القانونية. لذلك، فإن تحويل أي قضية قضائية إلى ملحمة أيديولوجية يحمل خطرين متوازيين: أن ينظر إلى القضاء باعتباره خصما سياسيا، أو أن ينظر إلى السياسة باعتبارها فوق القانون. من هنا، فإن القضية تتجاوز مارين لوبان نفسها. فهي تمتحن قدرة الجمهورية الفرنسية على الفصل بين شخص المتهمة ومكانة المنافسة السياسية. فإذا نجحت المؤسسات في إقناع المواطنين بأن العدالة تعمل وفق القانون وحده، خرجت الديمقراطية أقوى. أما إذا ترسخ الانطباع بأن القضاء أصبح جزءا من المعركة الانتخابية، فإن الرابح الحقيقي لن يكون أي حزب، بل الشك.
وربما تكمن سخرية التاريخ في أن الديمقراطية لا تختبر عندما تحاكم خصومها، بل عندما تقنعهم، وتقنع أنصارهم، بأن القانون ليس قناعا للسياسة. ذلك هو الامتحان الأصعب، لأن الثقة، بخلاف السلطة، لا تفرض بالأحكام، بل تبنى ببطء، وتفقد بسرعة. وهكذا، يبقى السؤال مفتوحا، لا لأن القضاء لم يقل كلمته الأخيرة، بل لأن السياسة لا تعرف الكلمة الأخيرة أصلا. إنها تعيد كتابة الرواية مع كل انتخابات، ومع كل حكم، ومع كل جيل يعتقد أنه وجد النهاية، ليكتشف أن التاريخ لا يكتب نهايات، بل يكتب فصولا جديدة.
📲 Partager sur WhatsApp