بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك لحظات في السياسة الدولية لا تحلّل بحجم البيان الرسمي، بل بما يرمز إليه المشهد نفسه. وقد يكون لقاء السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مع وفد من الحركة الصحراوية من أجل السلام (MSP) واحدا من تلك اللحظات التي تستحق التوقف عندها، لا لأنها تحسم نزاعا عمره عقود، وإنما لأنها قد تعكس تحولا في طريقة التعاطي مع أطرافه. وفي الدبلوماسية، ليست كل الرسائل مكتوبة بالحبر؛ بعضها يكتب بمن يستقبل، ومن يمنح حق الكلام، ومن يشار إليه بوصفه طرفا يستحق أن يسمع. وعندما كتب السفير الأمريكي أن الحركة تمثل “أصواتا صحراوية ملتزمة بالسلام والتسوية والتوصل إلى حل دائم، وينبغي للعالم أن يصغي إليها”، فإن العبارة، في حد ذاتها، لا تعني تغييرا معلنا للسياسة الأمريكية، لكنها تفتح بابا لتأويلات سياسية حول اتساع دائرة الفاعلين الذين ترى واشنطن أنهم يستحقون الإصغاء.
وهنا تبدأ القراءة الجيوسياسية. لقد قام النزاع، طوال عقود، على فرضية أن التمثيل السياسي للصحراء يمر عبر قناة واحدة. أما إذا بدأت القوى الكبرى في التعامل مع فاعلين صحراويين آخرين، فإن ذلك لا يغيّر بالضرورة المرجعيات الأممية، لكنه يغيّر البيئة السياسية المحيطة بها. فالتعدد في الأصوات يفرض تلقائيا التعدد في القراءة، ويجعل أي ادعاء بالاحتكار السياسي أكثر عرضة للنقاش. وهذا لا يعني أن معادلات نصف قرن قد انهارت في يوم واحد، لكنّه يعني أن المجال السياسي لم يعد مغلقا كما كان. ومن زاوية أخرى، فإن هذا التطور ينسجم مع التحول الذي عرفته المقاربة الدولية خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبحت عواصم مؤثرة، وفي مقدمتها واشنطن، تؤكد دعمها لمسار سياسي “واقعي ودائم ومقبول من الأطراف”، مع استمرار اعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا جادا وذا مصداقية للنقاش، وفق التصريحات الرسمية الأمريكية المتكررة. ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل تغير الموقف الأمريكي؟ بل: هل تتغير طريقة إدارة الملف؟
إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الحدث والخطاب. لقد أدرك المغرب، منذ سنوات، أن النزاعات الطويلة لا تحسم بالشعارات، بل ببناء الوقائع على الأرض. فمن الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، إلى توسيع البنية التحتية، واستقطاب القنصليات الأجنبية، وتكثيف الحضور الدبلوماسي، عمل على تحويل الزمن من خصم إلى عنصر داعم. وهنا تبرز إحدى السمات التي كثيرا ما يشير إليها المراقبون في قراءة السياسة الخارجية المغربية خلال عهد الملك محمد السادس: الرهان على التراكم بدل ردود الفعل. فبدل البحث عن انتصارات إعلامية سريعة، سعت الدبلوماسية المغربية إلى بناء مسار طويل يقوم على نسج الشراكات، وتعزيز الحضور الاقتصادي، وربط قضية الصحراء برؤية أوسع للاستقرار والتنمية الإقليمية.
وفي هذا السياق، يكتسب كل تطور دبلوماسي معنى يتجاوز لحظته. غير أن التحليل الرصين يقتضي أيضا التحفظ. فلقاء دبلوماسي، مهما كانت دلالاته، لا يكفي وحده للقول إن “البوليساريو” فقدت وضعها في المسار الأممي، أو إن الحركة الجديدة ستصبح طرفا رسميا في المفاوضات. فهذه مسائل تتعلق بقرارات أممية وبمسار سياسي متعدد الأطراف، ولا يمكن استنتاجها من لقاء واحد. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن المشهد أصبح أكثر تعقيدا مما كان عليه، وأن تعدد الأصوات الصحراوية أصبح حقيقة يصعب تجاهلها في النقاشات السياسية. ولعل المثل المغربي يقول: “الريح كتدور، ولكن الشجرة الراسخة هي اللي كتبقى واقفة.” وفي السياسة الدولية، ل لا تفسّر قوة الدول بسرعة تبدل الرياح، بل بقدرتها على تثبيت جذورها وسط التحولات. لهذا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاحتفاء بلقاء أو تغريدة، بل في استمرار العمل الدبلوماسي، وتعزيز التنمية، وتوسيع فضاءات الحوار، لأن القضايا الكبرى لا تحسم بخبر عاجل، وإنما بتراكم طويل يصنعه الزمن.
وقد يكون أهم درس في هذا المشهد أن السياسة، في نهاية المطاف، ليست فن الانتصار في معركة واحدة، بل فن إدارة الزمن حتى يصبح الزمن نفسه حليفا. وهذا، أكثر من أي شيء آخر، هو ما يجعل ملف الصحراء اليوم يقرأ في كثير من العواصم بوصفه ملفا يتطور تدريجيا، لا عبر الصخب، بل عبر تراكم الوقائع، واتساع دوائر الإنصات، وبناء تصورات تبحث عن الاستقرار أكثر مما تبحث عن استمرار النزاع.
📲 Partager sur WhatsApp