حين يعجز التأويل والهلوسة عن ترويض الحقيقة

بقلم رئيسة التحرير زكية لعروسي

ليس المغرب موضوعا يُقرأ، بل كيان يُستشعر. ليس نصّا مفتوحا لكل قارئ عابر، إنه, قارئي, مخطوط عتيق لا يفك شفراته إلا من تشرّب حبر تاريخه، وتاه في متاهات روحه. وما يُكتب عنه أحيانا في بعض الجرائد التي ” مات لها الحوت في البحر”، ليس سوى محاولة لاصطياد السراب بشبكة من كلمات، سرعان ما تتمزق أمام أول نسمة من الحقيقة.

هناك، في عمق الصورة، حيث يختلط المرئي باللامرئي، يتحول “التحليل” إلى طقس غريب: أقلام تتقمص دور العرّافين، تفتش في الملامح عن نبوءة، وفي الصمت عن اعتراف، وفي الإيماءة عن زلزال قادم. كأن الدولة كائن هش، وكأن التاريخ لعبة مرايا. لكن الحقيقة أكثر عنادا من أن تُختزل في هذا المسرح الرمزي.

ثمة نوع من الكتابة لا يحلل، بل يحلم. لا يقرأ الواقع، بل يعيد اختراعه وفق هواجس دفينة. في هذا النمط، يصبح كل ظهور “إشارة”، وكل غياب “لغزا”، وكل لحظة عادية “منعطفا تاريخيا”. إنها لغة مشبعة بالظلال، لكنها تفتقر إلى الضوء. تحليل بلا أرض، كقصر معلّق في الهواء، جميل في شكله، لكنه بلا أساس. التحليل النفسي، في جوهره، علم يشتغل على العمق الإنساني المركّب، لا على لقطات بروتوكولية متجزأة. أما تحويله إلى أداة لتشريح الدول، فهو أشبه بمحاولة قياس البحر بملعقة.

المغرب دولة تمشي داخل الزمن لا عليه…مملكة لا تتحرك وفق إيقاع اللحظة، بل وفق نبض قرون. هو كائن زمني متعدّد الطبقات، كل طبقة فيه تخفي أخرى، وكل مرحلة ليست قطيعة بل تحوّل هادئ، أشبه بانزياح القارات لا بانفجار البراكين. من ينظر إليه بعين الاستعجال، لا يرى سوى السطح؛ ومن يغوص، يدرك أن ما يبدو سكونا هو في الحقيقة حركة عميقة لا تُرى. هنا، الاستمرارية ليست تكرارا، بل إعادة تشكيل دائمة للثابت في قالب متجدد. كالنهر الذي يبدل نفسه، لكنه لا يحمل نفس الماء مرتين.

في المخيال الجماعي، لا تُختزل الملكية في مؤسسة، بل تتجاوزها إلى رمز يتغذى من التاريخ والدين والثقافة. إنها بنية مركبة، تقف عند تقاطع الواقعي والمتخيل، حيث يصبح الحاكم أكثر من فاعل سياسي: يصبح امتدادا لذاكرة جماعية، وصدى لقرون من التراكم. وهنا يكمن العجز الأكبر لبعض القراءات: محاولة اختزال هذا الكيان الرمزي في مقاييس جاهزة، كمن يحاول تفسير أسطورة بلغة تقرير إداري.

في عالم يتغذى على الفوضى، يبدو الاستقرار حدثا غير مفهوم، كأنه خرق لقوانين العصر. لكن في المغرب، الاستقرار ليس صدفة، بل نتيجة هندسة دقيقة، تدار بصمت، حيث تحلّ التناقضات لا بالصدام، بل بالاحتواء.إنه أشبه بسحر خفي: لا يرى، لكنه يلمس في تفاصيل الحياة اليومية. لا يعلن عن نفسه، لكنه حاضر في كل شيء.

حين تتحول الحرية إلى تكرار مهووس لنفس الفكرة، تفقد معناها. وحين يصبح النقد هدفا في حد ذاته، لا وسيلة للفهم، يتحول إلى ضجيج. ليست المشكلة في الجرأة، بل في الفراغ الذي قد تختبئ خلفه. الكتابة المسؤولة لا تبحث عن الإثارة، بل عن الدقة. لا تلاحق الظلال، بل تحاول الإمساك بالنور، حتى وإن كان خافتا.

فمن يظن أنه فهم المغرب، ربما لم يقترب منه بعد. هو ليس معادلة تُحل، بل تجربة تُعاش. فيه من التعقيد ما يكفي لإرباك أبسط النظريات، ومن العمق ما يجعل كل قراءة نهائية مجرد وهم. إنه بلد يمشي على حافة الأسطورة، دون أن يسقط في الخيال. واقعي إلى حد الغرابة، وغريب إلى حد الواقعية. تبقى الحقيقة أبسط مما يكتب، وأعمق مما يقال. المغرب ليس بحاجة إلى من يعرّفه، بل إلى من يفهم حدوده وحدود اللغة أمامه. هناك أوطان تُشرح، وأوطان تُختزل، وأوطان تُساء قراءتها… لكن هناك أوطان، مثل المغرب، لا تُدرك إلا بالصمت. ومن لا جذور له في هذا الصمت، لن يسمع شيئا.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “حين يعجز التأويل والهلوسة عن ترويض الحقيقة

  1. النص لا يدافع عن المغرب بقدر ما يدافع عن فكرة الفهمرنفسها. يضعنا أمام إشكالية قديمة متجددة: هل يمكن اختزال كيان تاريخي وثقافي مركّب في قراءة سطحية أو في تأويلات نفسية سريعة؟ هنا، تتحول الكتابة إلى نقد مزدوج: نقد للخطاب الإعلامي الذي يلهث وراء الإثارة، ونقد لنزعة التأويل المفرط التي ترى في كل تفصيل رمزا وفي كل صمت رسالة خفية.
    كما أن الاستعارات الموظفة (المخطوط، السراب، القصر المعلق) ليست فقط أدوات جمالية، بل تحمل موقفًا معرفيًا واضحًا: الحقيقة ليست لغزًا غامضًا بقدر ما هي واقع عنيد، يحتاج إلى أدوات دقيقة، لا إلى خيال منفلت. النص بذلك يضع حدودًا فاصلة بين “التحليل” كمنهج، والتخييل كإسقاط في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *