دونالد ترامب وصناعة العدوّ الأخير في أمريكا

بقلم زكية لعروسي, باريس

هناك سياسيون يخوضون الانتخابات بالأفكار، وهناك من يخوضها بالمخاوف. وبين الإثنين مسافة تساوي تاريخ السياسة كلّها. فمنذ أن اكتشف الإنسان أن الخوف أسرع من العقل، وأن الغضب أكثر قدرة على الحشد من البرهان، لم تعد السلطة تبنى فقط على البرامج، بل على اختراع الخصوم. السياسة، في أحد وجوهها الأكثر قسوة، ليست فنّ إدارة الدولة، بل فنّ اختيار “العدو” المناسب في اللحظة المناسبة. ولهذا، حين يصف دونالد ترامب منافسته المحتملة لرئاسة بلدية واشنطن بأنها “شيوعية”، لا يكون مجرد رجل يطلق شتيمة سياسية. إنه يعزف على آلة قديمة جدّا، آلة تعود أصداؤها إلى الحرب الباردة، إلى زمن كان يكفي أن تصف أحدا بالشيوعية حتى يتحوّل، في المخيال الأمريكي، إلى شبح يهدد الأسرة والعلم والكنيسة والسوق الحرة في آن واحد. الكلمات لا تموت؛ إنها تتقاعد أحيانا، ثم تعود إلى الخدمة عندما تحتاجها السياسة.

لكن ما يثير الدهشة ليس ترامب، بل استمرار فعالية هذا المسرح بعد كل هذه العقود. كأن التاريخ الأمريكي قرر أن يحتفظ بصندوقه القديم، المليء بالنعوت الجاهزة: “شيوعي”، “خائن”، “عدو الداخل”، “عدو أمريكا”. تتغير الأسماء، لكن القناع يبقى هو نفسه. السياسة هنا لا تبحث عن الحقيقة، بل عن الشخصية التي ستؤدي دور الشرير في المسرحية المقبلة. ولعل رينيه جيرار، في نظريته عن “كبش الفداء”، كان سيبتسم وهو يراقب المشهد. فالمجتمعات، حين تتضخم تناقضاتها، تبحث عن شخص واحد تعلق عليه كل مخاوفها. ليس لأن ذلك الشخص سبب الأزمة، بل لأن تحميله المسؤولية يمنح الجماعة شعورا مؤقتا بالوحدة. العدو ليس ضرورة أمنية فقط؛ إنّه ضرورة نفسية. إنّه الغراء الذي يمنع التشققات من الظهور، ولو إلى حين.

واشنطن، المدينة التي صمّمت لتكون قلب الجمهورية، تتحول فجأة إلى ساحة معركة رمزية. ليست القضية في رئيسة بلدية محتملة، بل في من يمتلك الحق في تعريف أمريكا نفسها. هل هي مدينة تتوسع في الحقوق المدنية؟ أم دولة تعيد بناء أسوارها القانونية والهوياتية؟ هل الأمن هو المزيد من الشرطة، أم المزيد من العدالة الاجتماعية؟ هنا لا يتواجه شخصان، بل سرديتان كاملتان عن معنى الوطن. ترامب يدرك، ربما أكثر من كثيرين، أن السياسة الحديثة لم تعد تدار بالبيانات الرسمية وحدها، بل بالصورة الذهنية. الناخب لا يصوت دائما لما يراه، بل لما يخشاه. لذلك تصبح الكلمات ذخيرة. و”الشيوعية” ليست توصيفا اقتصاديا بقدر ما هي مفتاح يفتح غرفة كاملة من الذكريات الجماعية: الاتحاد السوفييتي، الحرب الباردة، الجدار، الخوف، والانقسام. الكلمة ليست كلمة؛ إنها آلة زمن.

لكن المفارقة أن العالم الذي ولدت فيه تلك الاتهامات لم يعد موجودا. الاتحاد السوفييتي صار فصلا في كتب التاريخ، وجدار برلين أصبح مقصدا للسياح، بينما بقيت مفردات الأمس تتجول في خطابات اليوم، كجنود نسوا أن الحرب انتهت منذ زمن. إنها مفارقة السياسة؛ تتغير الوقائع أسرع مما تتغير اللغة. وهنا يظهر الوجه الأكثر غرابة للديمقراطية المعاصرة. فهي لا تكتفي بإنتاج القادة، بل تنتج أيضا الأشرار. وكل بطل يحتاج إلى خصم، وإلا فقد نصف قوته الدرامية. ولذلك يبدو الخطاب السياسي أحيانا أقرب إلى السينما منه إلى الفلسفة؛ لا بد من بطل، ولا بد من وحش، حتى لو اضطر الخيال إلى تضخيم ملامحه. كان كارل شميت يرى أن جوهر السياسة هو التمييز بين “الصديق” و”العدو”. لكن ما نشهده اليوم يتجاوز ذلك. لم يعد العدو يكتشف؛ بل يصنع. تعاد صياغته، ويختزل، ويقدَّم في صورة سهلة الهضم، لأن الجماهير لا تستهلك التعقيد، بل تستهلك الروايات البسيطة.

ولذلك، فإن الخطاب الشعبوي لا يكره الرمادي؛ إنه يمحوه. العالم عنده أبيض أو أسود، وطني أو خائن، منقذ أو مدمر، معنا أو ضدنا. أما الحقيقة، فهي كائن خجول لا يجيد الصراخ، ولذلك تخسر غالبًا أمام الشعارات. ومن المثير للسخرية أن واشنطن نفسها، المدينة التي تضم أكبر مؤسسات الديمقراطية في العالم، تتحول إلى مسرح دائم لمعركة حول معنى الديمقراطية ذاتها. المباني ثابتة، لكن التعريفات تتبدل كل صباح. كأن الدستور يكتب نفسه من جديد مع كل خطاب انتخابي. ربما كان جورج أورويل سيبتسم بمرارة. ففي عالمه، كانت اللغة تستخدم لإخفاء الحقيقة. أما اليوم، فهي تستخدم لصناعة حقيقة بديلة، أكثر قابلية للتداول، وأكثر قدرة على إثارة الغضب. ليست المشكلة أن الكلمات قاسية، بل أنها أصبحت تسبق الوقائع، ثم تطالب الوقائع بأن تلحق بها. لكن السؤال الأعمق ليس: هل كانت تلك الاتهامات عادلة؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا أصبحت الديمقراطيات الحديثة تحتاج، باستمرار، إلى عدو داخلي؟

لعل السبب أنّ المجتمعات المنقسمة لا تستطيع العيش طويلا في مواجهة تناقضاتها. إنها تبحث دائما عن مرآة تكسرها، حتى لا ترى وجهها الحقيقي. وهكذا يتحول الخصم السياسي إلى كبش فداء، لا لأنه مسؤول عن كل شيء، بل لأن وجوده يخفف عبء الاعتراف بأن الأزمات أكثر تعقيدا من أن يحملها شخص واحد. فخطورة هذا النوع من الخطاب لا تكمن في أنّه يقنع الجميع، بل في أنّه يجعل الجميع يتحدثون بلغته. وحين يحدث ذلك، تنتصر الشعبوية حتى عند خصومها، لأن ساحة النقاش نفسها تصبح محكومة بمنطقها. وهكذا، لا يبدو دونالد ترامب مجرد سياسي يخوض معركة انتخابية، بل راو بارع يعرف أنّ الجماهير لا تتذكر الأرقام بقدر ما تتذكّر القصص، ولا تصفق للحلول المعقدة بقدر ما تصفق لمن يرسم لها تنّينا، ثم يعدها بأنّه وحده يعرف كيف يقتله. وربما كانت المأساة الكبرى أن التنّين، في كل مرة، لا يكون سوى انعكاس في مرآة ضخمة اسمها الخوف. فكلّما ضربه الناس، تشقّقت المرآة أكثر، لكنّ الصّورة لا تختفي أبدا. إنّها تعود، بوجه جديد، في موسم انتخابي جديد، لأنّ السياسة التي تعيش على صناعة الأعداء لا تنفد منها الوحوش، بل تنفد منها المرايا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *