بقلم زكية لعروسي, باريس
في المدينة الحديثة لا تبدأ الرحلة من البيت، بل من واجهة متجر. هناك، خلف الزجاج المصقول، تقف الأشياء وهي تمارس أقدم غواية عرفتها الحضارة: “اشترني”. لا أحد يصرخ، لا أحد يهدد، لكن الضوء يعرف كيف يقنع أكثر من الخطباء، والإعلانات تعرف كيف تزرع في الإنسان شعورا بالنقص قبل أن تعرض عليه العلاج. هكذا يتحول المواطن إلى مستهلك، ويصبح الاستهلاك فضيلة اقتصادية، بل واجبا وطنيا في كثير من الأحيان، لأن الأسواق لا تزدهر إلا إذا اشترى الناس أكثر مما يحتاجون. ثم . ما إن تخرج من المتجر حاملا ما أقنعتك المدينة بشرائه، حتى تبدأ المدينة نفسها في مساءلتك: كيف تجرؤ على حمله؟
ذلك الرجل الذي اشترى شاشة تلفزيون جديدة في باريس لم يكن يهرب من القانون، ولم يكن يحمل مادة متفجرة، ولا سلاحا، ولا حتى سلعة مهربة. كان يحمل، ببساطة، نتيجة استجابته الكاملة لما طلبته منه السوق. اشترى، ودفع الضرائب، ودعم الاقتصاد، ثم نزل إلى المترو ليكتشف أن المدينة التي احتفت به زبونا، تستقبله الآن متهما. يا لها من مفارقة تكاد تكون بورخيسية في عبثها. المتجر يقول: اشتر أكبر شاشة تستطيع. والمترو يهمس: لكن لا تحملها هنا. وهكذا يدخل الإنسان في متاهة لا يعرف فيها أين ينتهي القانون وأين يبدأ سوء التأويل.
ليست القضية في مئة وخمسين يورو. فالغرامات تنتهي، أما الأفكار التي تكشفها الوقائع فتبقى. القضية أن المدن الحديثة أصبحت تنتج قواعدها بالطريقة نفسها التي تنتج بها بضائعها: بسرعة تفوق قدرة الإنسان على فهمها. ما هو الشيء المسموح بحمله؟ وما هو الشيء الذي يتحول فجأة إلى خطر على النظام العام؟ حقيبة؟ نعم. حقيبتان؟ ربما. نبتة؟ بحسب المزاج الإداري. تلفزيون؟ يعتمد على زاوية النظر. إنها ليست قوانين بقدر ما هي مساحة واسعة للاجتهاد الشخصي، حيث يتحول النص إلى مادة مرنة، ويصبح الموظف، أحيانا، المفسر الوحيد للواقع.

لقد كان مونتسكيو يعتقد أن وضوح القانون هو أول شروط العدالة. أما القانون الذي يحتاج إلى تفسير في كل محطة، فهو لا يمنح المواطنين يقينا، بل يمنحهم قلقا دائما. الإنسان لا يخاف من العقوبة بقدر ما يخاف من الغموض، لأن الغموض يجعل الجميع مذنبين محتملين. هنا تصبح البيروقراطية فنا سرياليا. يفتح لك باب المتجر بكل ترحاب، لكن باب المترو يسألك إن كان حجم رغبتك قانونيا. الاقتصاد يطالبك بالاستهلاك، والنقل العمومي يعاقبك لأنك حملت أثر ذلك الاستهلاك. كأن المدينة تقول لك: أنفق أموالك… لكن دع مشترياتك تختفي بطريقة سحرية قبل أن تستقبل القطار.
إنها كوميديا كافكا لو عاش في عصر مراكز التسوق. فرانتس كافكا لم يكن بحاجة إلى اختراع محاكمه العبثية لو رأى شيئا كهذا. كان سيجلس في محطة شارل ديغول، يراقب رجلا يحمل تلفازًا اشتراه منذ دقائق، ثم يكتب رواية جديدة عنوانها: “المتهم لأنه اشترى.” ولعل جان بودريار كان سيبتسم بسخرية مريرة. فهو الذي رأى أن المجتمعات الاستهلاكية لم تعد تبيع الأشياء، بل تبيع الرموز. الشاشة ليست مجرد شاشة؛ إنها وعد بصورة أجمل للحياة. لكن المفارقة أن الرمز نفسه يصبح عبئا بمجرد مغادرة المتجر. كأن النظام الاقتصادي لا يريد منك امتلاك السلعة بقدر ما يريد استمرار رغبتك فيها.
أما زيغمونت باومان، صاحب مفهوم “الحداثة السائلة”، فربّما كان سيقول إن الإنسانليس بما يملك، بل بقدرته على الحركة دون أن يزعج أحدا. المدينة الحديثة تعشق الانسياب. كل ما يبطئ التدفق يصبح مشكلة، سواء كان حقيبة، أو نبتة، أو شاشة، أو حتى إنسانا عجوزا يمشي ببطء. لقد أصبحت المدن تدار كما تدار خطوط الإنتاج؛ الكفاءة أهم من التأمل، والانسياب أهم من التجربة الإنسانية. لكن المعضلة ليست في منع الأشياء الضخمة، فهذا قد يكون منطقيا حين تعيق حركة المسافرين. المشكلة أن النصوص نفسها تبدو وكأنّها تتغير من صفحة إلى أخرى، وأن القاعدة الواحدة تظهر بثلاث صيغ مختلفة، بحيث لا يعود المواطن يعرف أي قانون يطيعه. هنا لا يعود السؤال: “هل التلفاز كبير؟” بل يصبح: “أي نسخة من القانون ستقابلني اليوم؟”

ذلك هو الفارق بين دولة القانون ودولة التعليمات. في الأولى، يعرف الجميع الحدود. وفي الثانية، يكتشفها كل شخص بعد دفع الغرامة. الأمر لا يخص باريس وحدها، بل يكشف عن معضلة حضارية أوسع. فالمدينة المعاصرة تريد من الإنسان أن يكون مستهلكا مثاليا، ومسافرا مثاليا، ودافع ضرائب مثاليا، ومواطنا لا يشغل حيزا أكبر من اللازم. إنها تحلم بفرد يشتري كثيرا، لكنه لا يترك أثرا ماديا لشرائه. أي مفارقة أكثر غرابة من هذه؟ كأن الرأسمالية تقول: “استهلك.” بينما تهمس البيروقراطية: “لكن لا تجعلنا نراك وأنت تحمل ما استهلكته.” ولذلك فإن حادثة التلفاز ليست قصة عن صندوق كرتوني كبير، بل عن صندوق أكبر بكثير اسمه المجتمع الحديث، ذلك الصندوق الذي يضع الإنسان داخله ثم يطالبه بأن يتحرك بحرية.
ربما لم تكن المشكلة في الشاشة أصلا، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى القانون. فالقانون العظيم لا يختبر في القضايا الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الناس كل يوم. عدالة المجتمع لا تظهر عندما يحاكم المجرمين، بل عندما يعامل المشتري العادي بوضوح واحترام. في النهاية، يبدو المترو وكأنه صورة مصغرة للعالم كله؛ ندخله حاملين أحلامنا في أكياس التسوق، ثم نقضي الرحلة نحاول ألا نصطدم بأحد، وألا نكسر قاعدة لم يخبرنا أحد بوجودها. وربما لهذا السبب لم تعد المدينة الحديثة تحتاج إلى لافتات تقول: “ممنوع”. يكفي أن تترك القاعدة غامضة، وسيتحول الجميع إلى متهمين محتملين، يحملون مشترياتهم كما لو كانوا يحملون اعتذارا دائما عن رغبتهم في العيش.
📲 Partager sur WhatsApp