بقلم زكية لعروسي, باريس
في المساء، وصلني برنامج المعرض.لم أفتحه كمن ينتظر شيئا، بل كمن ينظر في وجه يعرفه… ويفاجأ أنه لم يعد يعرفه تماما. كان يشبه خريطة، لكنها لا تقود إلى أماكن، بل إلى أسماء تعرف مسبقا أين تلتقي.توقفت عنده طويلا، كما لو أنني أحاول أن أسمع ما لا يكتب فيه. بدا كل شيء واضحا أكثر مما ينبغي، مرتبا إلى حدّ يفقد معه المعنى خفّته، كأن الفوضى نفسها تعلّمت كيف تقف في صف. تساءلت، بهدوء هذه المرة: هل نكتب الكتب…أم أن هناك ما يكتبنا، ويعيد ترتيبنا كل عام دون أن ننتبه؟

في الهامش، كانت هناك مساحات لا ترى بسهولة. هناك، تقف أسماء لا تصلها الإضاءة. تشبه أشجارا اقتلعت من تربة تعرفها، وزرعت في أرض لا تسأل عنها. تنمو… نعم، لكن بشيء من الحذر، كأن الجذور نفسها لم تحسم أمرها بعد. اللغة، في تلك المسافة، لم تكن غائبة، لكنها لم تكن مطمئنة. كانت تمرّ عبر الجملة كما يمرّ طائر لم يختبر الهواء كفاية. لم أر جسورا. رأيت خيوطا رفيعة، تمتد بين أسماء تعرف بعضها أكثر مما تعرف غيرها. تلتقي، تتجاور، ثم تعود لتلتقي. كأن المسافة لا تقاس بين نقطتين، بل بين دائرة…تعيد رسم نفسها.
الوجوه كانت هناك. مألوفة، إلى حدّ أن المألوف نفسه بدأ يبدو غريبا. الابتسامة ذاتها، النظرة التي تعرف مكان الكاميرا، الوقفة التي لا تتغيّر. كأن الصورة لا تلتقط، بل تستعاد. فكرت، دون حسم: ربما المعرض ليس مكانا لاكتشاف صوت، بل مكان يتأكد فيه الصوت أنه ما زال قادرا على أن يسمع نفسه. وفي مكان آخر، بعيدا عن الضوء الكافي، هناك من يكتب. على طاولة ضيقة، أو على ضوء شاشة لا تكتمل إنارتها. لا أحد يشير إليه، ولا أحد ينتظره. ومع ذلك، يضع الكلمات كما لو أنه يضع شيئا حيا في مكان لا يضمن بقاءه. يحمل لغته كما تُحمل جمرة، بحذر، وبشيء من العناد.
تساءلت، لكن السؤال هذه المرة لم يكن يريد جوابا: هل نحتاج إلى أصوات جديدة…أم إلى ذاكرة تتأكد من نفسها؟ هل نبحث عن كتابة…أم عن استمرار؟ ربما…في كل هذا، هناك شيء صغير لم يدرج في البرنامج. شيء لا يقف على منصة، ولا يظهر في صورة، ولا يستدعى بالإسم. شيء يشبه بذرة وجدت صدعا ضيقا في الإسمنت، وقررت، دون إعلان، أن تنمو. هناك من يكتب…
دون أن يرى. هناك من يرفض…دون أن يشرح. هناك من لا يخاف الغياب. هؤلاء، لا يحتاجون إلى معرض ليكونوا موجودين. يكفيهم أن اللغة لم تغادرهم بعد. وأنهم، في مكان ما، ما زالوا يكتبون…كما لو أن الكتابة آخر مساحة لم تنظَّم بالكامل.

تحليل في الصميم
ملاحظات في الصميم
تساؤلات في الصميم
دمت متألقة
ودامت ريشتك نور يضيئ طريق المتغيبين
لما يكون الاسم مطابقة لمسماه: المعرض. الدلالة عند القيمين واحدة. معرض السيارات القديمة، معرض الفلاحة، معرض النباتات الطبية….هو هنا فضاء لعرض” سلعة” أتى بها المعارضون/ كتبيون، دور ناشرون أساسا. هل “يعرفوا” ما هم حاملون الى المعرض؟ سلعة بأسعار لا تطاق. حتى المنتح الفعلي/ الكاتب غير “معروض”, هناك موظفوا النشر فقط.اتت ايضا السيد الكاتب تتحول من الزبناء، تشتري ما حررت فيه محمولك بسعر لابد منه. !!! كثير من هؤلاء مقاولين الكتاب لا يحتاجون لتوقيعك، تتحرك في الفضاء في حالة اغتراب، والحال مؤلفاتك تزين المشهد!!! بينما وبين الناس. موظف لا يعرف سوى التعامل السلعوي، تقول له اريد نسخة او نسختين من كتاب—ي يرد عليك ” ستخلص” . وانت تتحرك بين الأروقة لا تصادف سوى الوجوه عينها، وكان أرض المغرب لا تلد كتابا جدد!! الوجوه المألوفة موظفوا دور النشر، هم شخوص المشهد. حتى ولو حضرت تنشيطا مبرمجا لتأثيت المشهد، تلاحظ ارتباكا في القاعات وتغييرا لها في آخر لحظة: حدث عشته السنة الماضية بكل اسف: حيث كنت انتظر فيالمكان الخطا من جهة المنظم، فخرج من عاشوا نفس المفاجأة للالتحاق بقاعة أخرى، أين هو احترام الوقت ومن سافر من مدينة أخرى لمتابعة النشاط….
المهم من الصعب أن تتوفر الفوانيس لكل الكتاب. فقط للوجوه المعتادة.
إحتجاج مثير. فمن يفتح الباب للأقلام الجديدة؟