في التحولات الإقليمية من منظور مغربي

بقلم الإعلامي حيمري البشير – بركان، المغرب

في عالم السياسة, المواقف تصاغ وفق موازين القوة وحسابات الجغرافيا السياسية. ومن هذا المنطلق، فإن كل تقارب بين دولتين، وكل تحول في التحالفات الإقليمية، يثير تساؤلات مشروعة حول خلفياته وأهدافه وانعكاساته على توازنات المنطقة. ومن منظور مغربي، ينظر كثيرون إلى أي تقارب جزائري–إسباني من زاوية تأثيره المحتمل على القضايا الاستراتيجية للمملكة، وفي مقدمتها قضية الصحراء، فضلا عن ملف سبتة ومليلية، اللتين يعتبرهما المغرب مدينتين خاضعتين للإدارة الإسبانية ويؤكد باستمرار مطالبته بهما عبر القنوات السياسية والدبلوماسية.

ويذهب بعض المراقبين إلى أنّ العلاقات الاقتصادية، وفي مقدمتها ملف الطاقة والغاز، قد تتحول أحيانا إلى ورقة تأثير في العلاقات الدولية، وهو أمر ليس جديدا في عالم السياسة، حيث أصبحت الطاقة عنصرا رئيسيا في رسم التحالفات وإعادة ترتيب الأولويات. غير أن التجارب الدولية أثبتت أن المصالح الاقتصادية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لإعادة صياغة مواقف الدول تجاه القضايا الكبرى، لأنّ هذه المواقف تخضع أيضا لاعتبارات قانونية واستراتيجية وأمنية تتجاوز منطق الصفقات الظرفية. وفي المقابل، يراهن المغرب، منذ سنوات، على تنويع شراكاته الدولية، وتعزيز حضوره الدبلوماسي والاقتصادي، وبناء شبكة واسعة من العلاقات مع قوى إقليمية ودولية، بما يمنحه هامشا أوسع للدفاع عن مصالحه الحيوية في محيط إقليمي ودولي سريع التحول.

كما أنّ التطورات التي شهدتها مدينة سبتة أعادت إلى الواجهة إشكالية الهجرة غير النظامية، التي لم تعد قضية أمنية فحسب، بل أصبحت ملفا سياسيا وإنسانيا معقدا، يكشف حجم الترابط بين الضفتين الجنوبية والشمالية للبحر الأبيض المتوسط، ويؤكد أن أمن أوروبا واستقرار شمال إفريقيا يظلان متداخلين إلى حد بعيد. ومن هذا المنطلق، يرى كثير من المغاربة أن استمرار القضايا العالقة بين الرباط ومدريد يستدعي حوارًا سياسيا صريحا، يأخذ بعين الاعتبار المصالح المشتركة، ويبحث عن حلول مستدامة، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات كلما برز توتر جديد.

ويظل المغرب، في نظر مؤيديه، يعتمد على نهج يقوم على تعزيز الاستقرار الداخلي، وتنويع علاقاته الخارجية، والدفاع عن مواقفه عبر العمل الدبلوماسي والمؤسساتي، مع الحرص على صيانة وحدته الترابية وفق رؤيته الوطنية. وفي نهاية المطاف، تبقى قوة الدول في تماسك جبهتها الداخلية، وفي قدرتها على إدارة خلافاتها الخارجية بالحكمة وبعد النظر. أما الرهانات الإقليمية، فإنّها لا تحسم بردود الأفعال، بل برؤية استراتيجية، ودبلوماسية فعالة، واقتصاد قوي، ومؤسسات قادرة على حماية المصالح العليا للوطن. إن المرحلة التي تعيشها المنطقة تستدعي قدرا أكبر من الحوار، والابتعاد عن منطق التصعيد، لأنّ استقرار المغرب العربي والفضاء المتوسطي يظل مسؤولية مشتركة، لا تتحقق إلا بتغليب الحكمة، واحترام السيادة، والاحتكام إلى الوسائل السلمية في معالجة القضايا الخلافية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *