بين سبتة ومليلية والمواقف الأوروبية

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن-الدنمارك

يثير انتباهي، بين الفينة والأخرى، ما يصدر عن بعض السياسيين الدنماركيين من مواقف وتعليقات بشأن الأحداث التي تشهدها مدينة سبتة، ولا سيما عندما يحاولون مقاربة الموضوع من زاوية أمنية أو أوروبية خالصة، متجاهلين الخلفية التاريخية والسياسية التي تجعل هذا الملف من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية. ومن الطبيعي أن تنطلق دول الاتحاد الأوروبي في مواقفها من اعتبارات التضامن بين الدول الأعضاء، وأن تنظر إلى أي توتر يمس سبتة أو مليلية من منظور حماية حدود الاتحاد. غير أن هذه المقاربة، في نظر كثير من المغاربة، لا تعكس سوى جانب واحد من القضية، وتتجاهل أن للمغرب موقفا تاريخيا ثابتا يعتبر سبتة ومليلية جزءًا من أراضيه الوطنية، وهو موقف ظل حاضرًا في الخطاب السياسي المغربي عبر العقود.

ومن هنا، فإن اختزال ما يجري في كونه مجرد “اعتداء على حدود الاتحاد الأوروبي” لا يساعد على فهم تعقيدات الملف، لأن القضية، بالنسبة إلى المغرب، ترتبط أيضًا بإرث تاريخي وبخلاف سياسي وقانوني قائم منذ زمن طويل، وهو ما يجعل قراءتها تتطلب استحضار وجهات النظر المختلفة، لا الاقتصار على الرواية الأوروبية وحدها. لقد أثبتت التجربة أن الملفات ذات الطبيعة التاريخية لا تُحل بالشعارات ولا بردود الفعل الآنية، وإنما بالحوار السياسي، والاحتكام إلى القانون الدولي، وبناء الثقة بين الدول المعنية. كما أن استقرار الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط يظل مصلحة مشتركة للمغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي على حد سواء.

ولا يخفى أن العلاقات المغربية الإسبانية مرت بمحطات من التوتر، لكنها عرفت أيضا مراحل من التعاون المثمر في مجالات الأمن، ومكافحة الإرهاب، والهجرة، والتبادل الاقتصادي. وهذا يؤكد أن الحوار يظل الخيار الأكثر نجاعة لمعالجة الملفات الخلافية، مهما بلغت حساسيتها. أمّا ما شهدته سبتة من محاولات جماعية للوصول إلى المدينة، فقد حمل، في نظر عدد من المتابعين، دلالات سياسية واجتماعية متعددة، كما أعاد إلى الواجهة ملف الهجرة غير النظامية، الذي أصبح أحد أكبر التحديات التي تواجه أوروبا وشمال إفريقيا معا. فالضغوط الاقتصادية، والأزمات الإقليمية، وتزايد أعداد المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، كلّها عوامل تجعل من هذه المنطقة نقطة عبور شديدة الحساسية.

ومن هذا المنطلق، فإنّ أي معالجة مستدامة لهذا الملف لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية وحدها، بل ينبغي أن تقوم على تعاون وثيق بين المغرب والاتحاد الأوروبي، يأخذ بعين الاعتبار المصالح المشتركة، ويحترم سيادة الدول، ويعالج في الوقت نفسه الأسباب العميقة للهجرة. إن القضايا التاريخية الكبرى لا تحسم بردود الفعل الإعلامية ولا بالمواقف المتشنجة، وإنما بالحكمة، والدبلوماسية، والالتزام بالقانون الدولي، والبحث عن حلول سلمية تضمن الاستقرار الإقليمي وتحفظ كرامة جميع الأطراف. ويبقى الأمل معقودا على أن يستمر الحوار المغربي الإسباني، في إطار الاحترام المتبادل وحسن الجوار، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في غرب البحر الأبيض المتوسط، ويجنب المنطقة مزيدًا من التوتر، ويهيئ الظروف لمعالجة مختلف القضايا العالقة بروح المسؤولية والتفاهم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *