الفصل الرابع من هارون الرشيد بين التاريخ والحكاية
بقلم زكية لعروسي مديرة جريدة الورقاء-باريس
من أكثر الأحكام تداولا في الكتابات العربية عن ألف ليلة وليلة، أن هذا السفر العظيم “شوه” صورة هارون الرشيد، وحوّله من خليفة ورع، وقائد دولة، وراع للعلم والعلماء، إلى رجل لا يكاد يغادر مجالس الغناء والشراب، ولا يمل من التجوال في ليل بغداد بحثا عن المغامرات. ويبدو هذا الحكم، للوهلة الأولى، مقنعا. لكن كل ما يبدو مقنعا ليس صحيحا بالضرورة. إنه حكم ولد من خلط منهجي بين كتابين لا ينتميان إلى الجنس الأدبي نفسه، ولا يكتبان وفق الغاية نفسها. فهل يحق لنا أن نلوم القصيدة لأنها ليست وثيقة؟ وهل يحق لنا أن نحاكم الرواية لأنها لا تكتب على طريقة المؤرخين؟ إن هذا السؤال هو مفتاح إعادة قراءة ألف ليلة وليلة.
لقد كان محمد بن جرير الطبري، وهو يكتب تاريخه، يدرك أنّ مهمته هي جمع الأخبار وترتيبها ونقلها مع الإشارة إلى أسانيدها ومصادرها، مع ما يقتضيه ذلك من منهج عصره. وكان ابن الأثير ينظر إلى الوقائع بوصفها مادة للتأريخ والعبرة. أمّا الحكاء الذي راكمت الأجيال حكاياته في ألف ليلة وليلة، فلم يكن يسأل: ماذا وقع؟ بل كان يسأل سؤالا آخر تماما: كيف أجعل المستمع لا ينام قبل طلوع الفجر؟ وهذا وحده يكفي ليدلّنا على أنّنا أمام عالمين لا يجوز أن يقاس أحدهما بالآخر. إن التاريخ والأدب لا يتنافسان على الحقيقة. بل يبحث كل منهما عن نوع مختلف منها.
فالحقيقة التاريخية هي مطابقة الخبر لما وقع، في حدود ما تسمح به المصادر ونقدها. أمّا الحقيقة الأدبية، فهي مطابقة الحكاية لمنطقها الداخلي، وللقدرة على إقناع القارئ بأنّ العالم الذي دخل إليه، مهما بدا عجيبا، يملك قوانينه الخاصة. ولهذا، فإن سؤال: “هل خرج هارون الرشيد كل ليلة متنكرا؟” ليس سؤالا أدبيا. لأن الأدب لا يطالب بإثبات الواقعة. بل يطالب بإثبات انسجامها داخل البناء السردي. ولعل أعظم ما أنجزته ألف ليلة وليلة أنها لم تستعر هارون الرشيد كما تستعير الرواية الحديثة شخصية تاريخية لتضعها في خلفية الأحداث. لقد فعلت شيئا أكثر جرأة. لقد أعادت خلقه. فما الذي بقي من الرشيد التاريخي داخل الرشيد الأدبي؟
بقي الإسم. وبقيت بغداد. وبقيت هيبة الخلافة. أمّا الباقي، فقد أعادت المخيلة صياغته، حتى صار صالحا لعالم الحكاية. لقد أصبح الرشيد الأدبي شخصية رمزية، لا مرآة حرفية لرجل عاش في القرن الثاني الهجري. وهنا ينبغي أن نتوقف عند مفهوم بالغ الأهمية. الرمز لا ينسخ الواقع. إنّه يقطّره. كما يقطّر العطّار آلاف الورود ليصنع قطرة واحدة من العطر. فالرمز لا يحمل كل التفاصيل. بل يحمل الجوهر الذي يريد الفن إبرازه. وهكذا، صار هارون الرشيد في ألف ليلة وليلة رمزا لعصر الازدهار العباسي، وللسلطة القادرة على الوصول إلى كل مكان، وللمدينة التي لا تنفد حكاياتها.
إنّ الشّخصية الأدبية لا تعيش لأنّها مطابقة للتاريخ. بل لأنّها صالحة للتّكرار. وهذا هو السر. فلو بقي الرشيد مجرد خليفة يدير شؤون الدولة، لما استطاع أن يظهر في عشرات الحكايات المختلفة. أمّا حين تحوّل إلى “الخليفة الذي يخرج ليلا”، صار بإمكان كلّ راو أن يبتكر له مغامرة جديدة، من غير أن يشعر المستمع بأن هناك تناقضا. لقد أصبح قالبا مرنا. وعندما تتحول الشخصية إلى قالب، فإنّها تغادر التاريخ، وتدخل عالم الأسطورة. وهذا ليس خاصا بالتراث العربي. إنّه قانون عالمي. فالإسكندر الأكبر الذي نعرفه في الروايات الفارسية والشرقية ليس هو الإسكندر الذي يحاول المؤرخون إعادة بنائه من المصادر اليونانية. والملك آرثر في الأدب الإنجليزي أكبر بكثير من أيّ حقيقة تاريخية محتملة عنه. والشيء نفسه يقال عن شخصيات كثيرة، انتقلت من الوثيقة إلى المخيلة، فاكتسبت حياة ثانية، بل ربما حياة أطول.
ولذلك، فإنّ هارون الرشيد ليس استثناء. إنّه المثال العربي الأوضح على ظاهرة إنسانية كبرى: حين تتحول الشخصية التاريخية إلى نموذج أدبي، فإنّها لا تفقد حقيقتها، بل تكتسب حقيقة أخرى. إنّ المشكلة، في الحقيقة، ليست في ألف ليلة وليلة. المشكلة في قارئ يريد من الأدب أن يكون سجلاّ للأحداث. ولو فعل الأدب ذلك، لما بقي أدبا. كانت شهرزاد ستتحول إلى ناسخة في ديوان الخلافة. وكان الرواة سيغلقون حوانيتهم. ولم تكن الإنسانية لتربح ذلك السفر الذي عبر اللغات والقارات، لأنّه لم يعد ملكا للعرب وحدهم، بل صار جزءا من التراث الإنساني.
ومن هنا، فإنّ القول إن ألف ليلة وليلة شوّهت هارون الرشيد، يبدو قولا يحتاج إلى مراجعة. الأدق أن نقول: لقد خلقت له حياة أخرى. حياة لا تنافس حياته التاريخية، ولا تلغيها، وإنّما تتحرك في مدار مختلف. فالرشيد الذي يدرسه المؤرخ، هو رجل عاش في زمان محدّد، وخضع لشروط السياسة والحكم. أمّا الرشيد الذي صنعته شهرزاد، فهو كائن أدبي لا يخضع إلا لقانون الدهشة. وشتّان بين من يقيس الزمن بالساعات، ومن يقيسه بالحكايات. ولعلّ هذه هي المعجزة التي لا يملكها إلا الأدب. إنه لا يغير الماضي. لكنه يغير الطريقة التي يتذكر بها الناس ذلك الماضي. وبين الماضي كما وقع، والماضي كما تتخيله الذاكرة، يولد ذلك الكائن العجيب الذي نسميه: الرمز. وهارون الرشيد، في ألف ليلة وليلة، لم يعد مجرد خليفة عباسي. لقد أصبح رمزا لمدينة، ولحضارة، ولزمن ذهبي، ولقدرة الحكاية على أن تمنح الإنسان عمرا آخر، لا تحده السنوات، ولا تنهيه الوفاة.
يتبع…
📲 Partager sur WhatsApp
لكل صناعة منهجيتها ومنطق كتابتها. النقطة الفاصلة بين المؤرخ وال والرواءي هو درجة منزلة الخيال الخيال في الكتابة. وعلى هذا الأساس تبنى الصور للأماكن والشخوص والأحداث. خاصة وأن كلا منهما يرى ويؤول من زاوية ما من النظر حتى وإن كان المؤرخ ينوي تحري” الموضوعية” ، ونعرف في الابستمولوجيا كم خلق هذا المفهوم من نقاش لما ترتبط الأمور باذات الكاتبة في مجال الإنسانيات. وهو الأمر الذي يدخل ، مع حكاية صورة هارون، في هذا الأفق الفكري الذي ناقش مستوى درجة اقتراب الذات من هذا المطلب، أي ” الموضوعية” . في مجال الإنسانيات، لا يرتدي الكاتب بذلة المختبر وقفازاته، ما يمكن كلا من اللاشعور الذي يتسرب مع خبث اللغة ومحمولها الميتافيزيقي، ومن الظرفية والسياسة…ما يجعل كل كتابة هي تحرير بحسبان…