كيف ولد هارون الرشيد الأدبي؟

الفصل الثاني من هارون الرشيد بين التاريخ والحكاية: من هزار أفسان إلى بغداد

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

هناك كتب يكتبها مؤلف واحد. وهناك كتب تؤلفها الحضارات. وألف ليلة وليلة ليست كتابا بالمعنى المألوف، بقدر ما هي قارة أدبية، تراكمت طبقاتها كما تتراكم الصخور الرسوبية، حتى صار من المستحيل أن تعثر فيها على يد واحدة، أو عقل واحد، أو زمن واحد. إنّها كتاب لا يعرف أباه. ولا يعرف تاريخ ميلاده. ولا يعرف أحد اللّحظة التي أصبح فيها هو نفسه. ولذلك، فإنّ السؤال عن مؤلف ألف ليلة وليلة يشبه السؤال عن مؤلّف البحر. كلّ من مرّ به، ألقى فيه نهرا.

تشير الدراسات الحديثة إلى أنّ النواة الأولى لهذا الأثر كانت على الأرجح كتابا فارسيا عرف باسم هزار أفسان، أي “ألف خرافة” أو “ألف حكاية”. ولم يصل إلينا هذا الكتاب، لكنّ إشارات مبكرة، منها ما أورده ابن النديم في الفهرست، تدل على وجود مجموعة قصصية فارسية كانت تتضمّن إطارا حكائيا يقوم على ملك وزوجته الراوية، وهو الإطار الذي سيعرف لاحقا بشخصيتي شهريار وشهرزاد. غير أن تلك النّواة لم تكن هي ألف ليلة وليلة التي نعرفها اليوم. كانت بذرة فقط. والبذرة، مهما كانت كاملة في ذاتها، لا تشبه الشجرة التي ستخرج منها.

حين عبرت الحكايات إلى العربية، لم يحدث مجرد انتقال لغوي. لقد وقع تحوّل حضاري. فالترجمة، في ذلك العصر، لم تكن نقلا آليا للنصوص، بل كانت نوعا من إعادة الميلاد. كانت الحضارة العربية الإسلامية تستقبل النص، ثم تعيد تشكيله وفق ذائقتها، ولغتها، وأفقها الثقافي. وهكذا، دخلت الحكايات إلى بغداد. لكن بغداد لم تكن مدينة تستقبل القصص كما هي. كانت مدينة تعيد كتابة كل ما يدخل إليها. كما فعلت مع الفلسفة اليونانية. وكما فعلت مع الرياضيات الهندية. وكما فعلت مع التراث الفارسي. لقد كانت بغداد تملك قدرة نادرة على تحويل الوافد إلى جزء من هويتها. ولم تكن الحكايات استثناء.

في العصر العباسي، لم تعد بغداد مجرد عاصمة سياسية. كانت العاصمة الكبرى للخيال أيضا. مدينة تمتد فيها الأسواق كما تمتد اللغات، وتلتقي فيها القوافل القادمة من الصين بخطى الفقهاء الخارجين من المساجد، ويجاور الورّاقون أصحاب الحوانيت، ويجلس الفلاسفة إلى جانب المنجمين، ويتنفس الشعراء الهواء نفسه الذي يتنفسه التجار والبحارة والمغنون. في مثل هذه المدينة، لا يمكن للحكاية أن تبقى غريبة. كان عليها أن تخلع ثيابها القديمة. وأن ترتدي عباءة بغداد.

ومن هنا بدأ التحول الأكبر. لقد أدرك الرّواة أنّ القارئ العربي لا يريد أن يسمع عن ملوك لا يعرف أسماءهم، ولا عن مدن بعيدة لا تشغل خياله. كان يريد أن يرى العالم بعينيه. أن يسمع أسماء يعرفها. أن يمشي في شوارع يعرفها. أن يشعر بأنّ الحكاية تحدث في المدينة التي يعيش في ظل مجدها. ولذلك، بدأ الأدب يفعل ما يفعله دائما. استبدل المجهول بالمألوف. واستبدل الغريب بالمحلي. واستبدل الملك الفارسي بالخليفة العباسي. ولم يكن هذا تزويرا للتاريخ. بل كان إعادة توطين للحكاية.

وهنا، يدخل هارون الرشيد. ولكنّه لا يدخل بوصفه شخصية تاريخية. بل بوصفه علامة حضارية. لقد كان اسمه، في الوجدان العباسي، مرادفا لعصر بلغت فيه بغداد ذروة ازدهارها، حتّى غدا مجرد ذكر اسمه كافيا لاستحضار مدينة كاملة، بقصورها، وجوامعها، وأسواقها، وحمّاماتها، ومجالس علمها، ومجالس لهوها، وضجيجها، وأحلامها. ولذلك، لم يكن الرواة في حاجة إلى تعريفه. كان حضوره يغني عن الوصف. فإذا قال الحكاء: “وكان ذلك في أيام الخليفة هارون الرشيد…”، شعر المستمع أنه دخل، من فوره، إلى عالم يعرف قوانينه، ويثق في إمكاناته، ويستعد لتصديق عجائبه. وهذه واحدة من أعظم حيل السرد. إن الحكاية لا تجعلنا نصدق المستحيل مباشرة. إنها تحيطه أولا بإطار مألوف. وحين نطمئن إلى الإطار، نقبل الأعجوبة التي تقع داخله. فالخليفة حقيقي. وبغداد حقيقية. ودجلة حقيقي. أمّا الجني، والبساط الطائر، والمغارة التي تنفتح بكلمة سر، فهي تنمو داخل هذه الحقيقة، لا خارجها.

ومن هنا، نفهم أن هارون الرشيد في ألف ليلة وليلة ليس موضوعا للحكاية. بل هو ضمانتها. إنّه الجسر الذي تعبر عليه المخيلة من الواقع إلى الأسطورة. ولذلك، فإنّ حضوره لا يهدف إلى تسجيل سيرته، بل إلى منح العالم الحكائي شرعيته. لقد صار اسمه شهادة ميلاد للخيال. ومن اللافت أنّ الرشيد الأدبي لا يشبه الرشيد الذي تصفه كتب الأخبار إلا في خطوط عامة. فالرّاوي لا يهتم بتفاصيل إدارة الدولة، ولا بصراعات البلاط، ولا بالرسائل السياسية، ولا بتنظيم الدواوين. إنّه ينتزع من الخليفة صفته الرسمية، ويمنحه وظيفة جديدة. يجعله أوّل مستمع إلى الحكاية. وأوّل من يندهش. وأول من يخرج باحثا عن المعنى بين الناس.

وهكذا، يتحول الحاكم إلى عين تتجول في المدينة، لا لتفرض سلطتها، بل لتكتشف أسرارها. ولعل هذه هي المعجزة الحقيقية التي أنجزتها ألف ليلة وليلة. فهي لم تسرق هارون الرشيد من التاريخ. بل أخذت اسمه، ثم ملأته بمعنى جديد. ومذ ذاك، صار للخليفة وجودان متوازيان: وجود في الوثيقة، لا يغادر رفوف المؤرخين. ووجود في الحكاية، لا يغادر ذاكرة الإنسانية. ومن هذه الازدواجية، ولدت إحدى أكثر الشخصيات العربية ثراء وإثارة للتأويل، شخصية لم تعد ملكا للتاريخ وحده، ولا للأدب وحده، بل أصبحت جسرا خفيا بين الحقيقة والخيال، بين ما وقع، وما تمنته الحضارة أن يكون قد وقع.

يتبع….

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “كيف ولد هارون الرشيد الأدبي؟

  1. 1000 ليلة وليلة، من النصوص التي عاشت قدر اليتم، غير أن القدر نفسه، سيمنح النص عينه وضع ” الحدث” الذي تكلمت من ثنايا لغته وصوره، ومضات حقيقة الوجود في ذاك الزمن. زمن انفتح فيه الوجود للثقافة العربية على ثقافات أخرى كانت شعبتها هي عينها شعلة تجربة شعوب تاريخية، الإغريق مهد أصول الفلسفة كأم للعلوم، والفرس مشعر تفنن في التدبير الإداري. كانت الحاجة من هنا وهناك، فكان بيت الحكمة ىتفعل الترجمة فعلتها في فتح النوافذ على الغير رمز التحضر آنذاك.
    مقال أنيق بأسلوبه الشعري، جاذب من أجل استءناف الحوار مع ما لم يقل بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *