الفصل الثالث من هارون الرشيد بين التاريخ والحكاية: : حين تحول الخليفة إلى لغة سردية
بقلم زكية لعروسي مديرة جريدة الورقاء
هناك سؤال ظل معلقا في سقف ألف ليلة وليلة قرونا طويلة، ومع ذلك نادرا ما طرحه أحد. لماذا هارون الرشيد؟ لماذا لم يختر الرواة أبو جعفر المنصور، وهو مؤسس بغداد وصانع الدولة؟ ولماذا لم يقع اختيارهم على المأمون، الذي ارتبط اسمه بالفلسفة وبيت الحكمة وحركة الترجمة؟ ولماذا لم يصبح المعتصم بالله بطل الحكايات، وهو الذي خلد اسمه بفتح عمورية؟ إن السؤال، في ظاهره، تاريخي. أما جوابه، فليس في كتب التاريخ. جوابه في علم السرد.
لقد أخطأ كثير من القراء حين تصوروا أنّ شهرزاد كانت تبحث عن أكثر الخلفاء إثارة للإعجاب. لم تكن تبحث عن ذلك إطلاقا. إن الحكاء لا يفتش عن أعظم شخصية في التاريخ، بل عن أكثر الشخصيات قدرة على حمل الحكاية. وهما أمران مختلفان. فالإنسان الذي يصنع التاريخ، ليس بالضرورة هو الإنسان الذي يصنع الأدب. إن الأدب يبحث عن الشخصية التي تستطيع أن تتحرك بين الطبقات، وأن تعبر الحدود، وأن تدخل القصور كما تدخل الأزقة، وأن تجلس مع القاضي كما تجلس مع اللص، وأن تستمع إلى الحكيم كما تستمع إلى المغنية. وكان هارون الرشيد، في المخيلة العباسية، يملك هذه القابلية أكثر من غيره. لا لأن سيرته كانت كذلك بالضرورة، بل لأن اسمه أصبح مرادفا لعصر كامل. وهنا وقعت المعجزة. لقد توقف الرشيد عن أن يكون رجلا. وصار زمنا.
ليست الشخصيات التاريخية سواء في قابلية تحولها إلى رموز. فبعضها يبقى أسير الوثيقة. وبعضها يغادر الوثيقة إلى الخيال. وحين يحدث ذلك، لا يعود الاسم يدل على صاحبه وحده. بل يدل على عالم كامل. وهكذا، لم يعد هارون الرشيد يعني الخليفة الخامس للدولة العباسية. بل صار يعني بغداد. لا بغداد الحجر. بل بغداد الروح. بغداد التي تمتزج فيها رائحة الورق برائحة العنبر. وصوت المؤذن بصوت العود. ودرس الفقيه بقصيدة الشاعر. وصياح الباعة بأغنية الجارية. إنه الاسم الذي يكفي وحده لإضاءة المسرح. ولهذا، كان الراوي، كلما قال: “بلغ الخليفة هارون الرشيد…”، لا يقدم شخصية جديدة. بل يرفع الستار.
لكن هناك سرا آخر. وهو أن الحكاية لا تستطيع أن تتحرك إذا بقي السلطان جالسا على عرشه. إن العرش نهاية الحركة. أما الحكاية، فهي ابنة الحركة. ولذلك، كان لا بد أن ينزل الخليفة من عرشه. أن يخلع ثياب السلطان. أن يتنكر. أن يختلط بالناس. وما أكثر ما تكرر هذا المشهد في ألف ليلة وليلة. ليس لأنه حدث تاريخيا، وإنما لأنه ضرورة فنية. فالمدينة لا تكشف أسرارها لمن ينظر إليها من شرفة القصر. إنها تكشفها لمن يمشي في طرقاتها. ولهذا، كان الرشيد الأدبي يسير أكثر مما يجلس. ويصغي أكثر مما يتكلم. ويتعجب أكثر مما يأمر. لقد أصبح أول مستمع في المملكة. وهذا انقلاب بالغ الدلالة. فالخليفة، الذي يفترض أن يكون مصدر الكلام، تحول إلى مستمع للحكايات. وكأن الأدب أراد أن يقول إن السلطة، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى أن تستمع إلى المجتمع حتى تعرفه.
ثم إن شهرزاد لم تكن تروي للناس وحدهم. كانت تروي أيضا للسلطة.ة وكانت تعرف أن الحكاية، إذا أرادت أن تغير العالم، فعليها أن تدخل القصر. ولهذا، لم يكن هارون الرشيد مجرد بطل. كان نافذة. من خلاله، استطاعت الحكايات أن تعبر إلى أعلى هرم السلطة، وأن تجعل الخليفة نفسه يصغي إلى ما يجري في الأسواق، والبيوت، والخانات، والحانات، والزوايا، والمرافئ. لقد حولت الأدب إلى عين ثانية للدولة. عين ترى ما لا تراه التقارير. وتسمع ما لا تنقله الرسائل. وتدرك ما تعجز عنه السلطة وهي جالسة خلف الجدران.
ومن هنا نفهم أن الرشيد في ألف ليلة وليلة ليس شخصية، بقدر ما هو تقنية سردية. إنه الأداة التي تربط بين العوالم. فهو قادر على دخول كل مكان. ولا أحد يسأل لماذا دخل. ولا أحد يستغرب وجوده. إنه المفتاح الذهبي الذي يفتح جميع الأبواب. ومن دونه، كانت الحكايات ستبقى متفرقة. أما بحضوره، فقد أصبحت جميعها تدور داخل كون واحد. وهذا ما يسميه النقد الحديث “وحدة العالم الحكائي”. لقد منح الرشيد ألف ليلة وليلة ما تمنحه الشمس للكواكب. مركزا تدور حوله، وإن لم يكن هو غايتها النهائية. ولعل هذا هو السبب الذي جعل شهرزاد تختاره. لم تختر الخليفة لأنه أكثر ورعا. ولا لأنه أكثر لهوا. ولا لأنه أكثر بطولة. بل لأنه أكثر الأسماء قدرة على حمل مدينة بأكملها فوق كتفيه. ولأن بغداد، وهي أعظم مدن الإسلام في ذلك العصر، احتاجت إلى وجه يختصرها. فكان ذلك الوجه هو هارون الرشيد. وهكذا، لم يعد الرجل مجرد شخصية تاريخية. أصبح لغة. وصارت كل حكاية تبدأ باسمه، كأنها تبدأ بكلمة السر التي تفتح أبواب الخيال.
📲 Partager sur WhatsApp